الصورة التي أحرجت الجميع … هل كشفت مصر الجاسوس إيلي كوهين وابلغت سوريا؟
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ في العاشر من سبتمبر عام 1963، نشرت مجلة “الجندي” السورية صورة عابرة ظاهريًا لاستقبال رسمي سوري، لكنها كانت تحمل في طياتها واحدة من أخطر الأدلة الاستخباراتية في التاريخ الحديث.
جمعت الصورة بين كبار قادة البعث في سوريا: أمين الحافظ، وصلاح البيطار، والمفكر ميشيل عفلق، والرئيس العراقي عبد السلام عارف، وفي الخلف، وتحديدًا تحت سهمٍ وضع لاحقًا لأغراض التوضيح، يظهر رجلٌ بملامح هادئة وحضور غير لافت للأنظار… إنه إيلي كوهين، الجاسوس الإسرائيلي الذي نفذ واحدة من أخطر عمليات الاختراق داخل الدولة السورية.
ويقول الكاتب والصحفي المصري أحمد الدريني على موقعه بفيسبوك لكن ما يثير الدهشة حقًا، أن هذه الصورة كانت ضمن مجموعة من الصور التي التُقطت خلال زيارة الفريق علي علي عامر، رئيس هيئة أركان القيادة العربية الموحدة، إلى الجبهة السورية، والتي ظهر فيها كوهين أيضًا. لم تكن الصورة محل اهتمام كبير آنذاك، إلى أن فحصها أحد ضباط المخابرات العامة المصرية، على الأرجح خلال استعراض صور الزيارة الرسمية. لفت ذلك الرجل الغامض انتباه الضابط، إذ بدت ملامحه مألوفة، ربما بسبب نشاطه السابق في مصر ضمن خلية الوحدة 131، التي تورطت في فضيحة لافون أواسط الخمسينيات.
كيف التقطت مصر الخيط؟
ويضيف الديريني حسب ما تواتر من شهادات لاحقة وروايات منشورة، فإن مصر كانت تتابع صور الزيارة كجزء من نشاطها الاعتيادي في رصد الجبهة السورية، وهنا جاء الاكتشاف. فالمخابرات المصرية، المتمرسة في تتبع ملامح الأشخاص، التقطت خيطًا حساسًا: ذلك الرجل لم يكن سوريًا، بل يهوديًا مصريًا من مواليد الإسكندرية يُدعى إلياهو كوهين، فر من مصر بعد فضيحة لافون، ولم يكن قد أُدين رسميًا حينها، لكن كان محل اشتباه.
الرسالة وصلت من القاهرة إلى دمشق، وقد يكون هذا هو الحدث المفصلي الذي أدّى إلى كشف هوية الجاسوس الذي زُرع داخل الدولة السورية من خلال مسار محكم ابتدأ بالأرجنتين، حيث صُنع له غطاء “مغترب سوري”، قبل أن يُعاد توطينه في قلب السلطة السورية، حتى صار مقربًا من القيادة.
روايات متباينة ومنافسة استخباراتية
ويقول الدريني روايات كشف كوهين تعددت. الرواية الرسمية السورية تقول إن الشك بدأ حين ارتبك كوهين عندما طُلب منه قراءة الفاتحة، ما دفع رئيس سوريا آنذاك أمين الحافظ إلى الشك في إسلامه. هذه الرواية كانت محل سخرية واسعة في مصر، حيث نشرت الصحف مقالات تشكك في هذه السذاجة المزعومة، قائلة: “إيلي كوهين يعرف عن الإسلام أكثر من أمين الحافظ!”
في المقابل، حاولت دمشق تجاهل أي دور مصري في كشف كوهين، ربما بدافع التنافس السياسي الحاد بعد الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة، وفي ظل توتر العلاقات مع القاهرة، لم تكن دمشق مستعدة للاعتراف بأن الإنجاز الاستخباراتي جاء من مصر.
روايات أخرى نسبت الفضل في الكشف إلى الاتحاد السوفييتي، إذ يُقال إن أجهزة التشويش والتقاط الإشارات الروسية رصدت موجات غريبة صادرة من أحد أحياء دمشق، فبدأت الشكوك تدور حول وجود جهاز إرسال سري. وذكرت إحداها أن السفارة الهندية في سوريا كانت قد اشتكت من تداخل إشارات غريبة مع أجهزتها، ما لفت الأنظار إلى الموقع الذي كان كوهين يستخدمه للبث إلى تل أبيب.
لكن وسط هذا الزحام، تبدو الرواية المصرية الأكثر تماسكًا من حيث السياق والنتائج.
شهادات إسرائيلية تؤكد الدور المصري
ويوقل الدريني في كتاب “جاسوس من إسرائيل”، لمؤلفيه الإسرائيليين “بن بورات” و”يوري دان”، ورد أن إسرائيل فضلت إرسال كوهين إلى سوريا بعد الانفصال عن مصر، لأن وجود المخابرات المصرية في سوريا أثناء الوحدة كان كفيلًا بكشفه سريعًا. وبالفعل، بعد بضع سنوات من إرسال كوهين، كان المصريون من التقطوه، عبر صورة قديمة وذاكرة ضابط استخبارات حادة.
أما في كتاب “وحيدًا في دمشق” للصحفي الإسرائيلي “شموئيل شيغف”، فقد وردت شهادة نقلها عن “روبرت داسا”، أحد المتهمين في قضية لافون، تفيد بأن السلطات المصرية كانت تسأل عن إيلي كوهين بعد القبض عليه في سوريا، مستفسرة عن تاريخه ونشاطه في مصر، ما يشير إلى أن هناك صلة استخباراتية عميقة لم تُكشف رسميًا.
معلومات تدعم الرواية المصرية أكثر
ويضيف الديريني هناك روايتان داعمتان من داخل مصر:
-
الأولى: أن رأفت الهجان (رفعت الجمال) هو من تعرف على كوهين في سوريا، بحكم معرفتهما القديمة في الإسكندرية، وأبلغ المخابرات المصرية على الفور.
-
الثانية: تلمح إلى دور غير معلن للواء أمين هويدي، الذي تولى رئاسة جهاز المخابرات العامة في الستينيات، دون توضيح لتفاصيل هذا الدور.
أما الدلالة الأكثر تشويقًا فهي ما قيل عن الجاسوس المصري الأرمني كيبوراك يعقوبيان، الذي أرسلته مصر إلى إسرائيل بنفس الطريقة التي زرعت بها إسرائيل كوهين في سوريا، ولكن عبر البرازيل، في عملية متزامنة تقريبًا. هذه المصادفة ليست بلا دلالة: فقد كانت مصر تنفذ عملية مشابهة، ما جعلها تمتلك الحس الأمني اللازم لالتقاط تفاصيل غطاء كوهين وفهمه بسرعة.
نهاية مأساوية وبداية أسطورية
إيلي كوهين أُعدم في دمشق عام 1965، بعد محاكمة عسكرية، لكن قصته لم تنتهِ. إسرائيل تعاملت مع ملفه بوصفه رمزًا دعائيًا لقوة استخباراتها ووفائها لعملائها. فقد حاولت لاحقًا سرقة جثمانه من غوطة دمشق، لكنها فشلت. ثم نجحت في استعادة ساعته الشخصية خلال سنوات الحرب السورية، وأعلنت لاحقًا عن استعادة ملفاته بالكامل، في رسائل موجهة إلى كل عملائها المحتملين: “لن نترك رفاتكم، مقتنياتكم، ولا حتى ملفاتكم خلفنا”.
وهكذا، فإن الصورة المنشورة في مجلة “الجندي” السورية، التي كانت عادية في لحظتها، تحولت لاحقًا إلى وثيقة تاريخية خطيرة، تكشف أن مصر، على الأرجح، كانت صاحبة الضربة الأولى في فضح أخطر جاسوس إسرائيلي في التاريخ العربي الحديث.