أقلام مختارة

الشرق والقبائل… بين فريدمان وبراك

سامح المحاريق

مع تصاعد الأحداث في الثورة الليبية في مارس 2011 كتب الصحافي الأمريكي توماس فريدمان مقالته، «قبائل لها أعلام»، ليستثني من بين دول الشرق الأوسط فقط مصر وإيران وتونس والمغرب ليمنحها توصيف الدول الحقيقية، وفي المقابل يضع الدول «المصنوعة ذات الحدود على شكل خطوط مستقيمة حادة رسمتها أقلام القوى الاستعمارية، وحصرت داخلها أعدادا هائلة من القبائل والطوائف التي لم تختر العيش معا، ولم تنصهر بالكامل ضمن أسرة موحدة من الموطنين»، ويضع في هذا التصنيف ليبيا والعراق والأردن والسعودية وسوريا والبحرين واليمن والكويت وقطر والإمارات العربية.
ومع أن فريدمان مخطئ في حالتي قطر والبحرين لوجود واقع جغرافي محدد، وفي حالة سوريا لأن الخلاف ليس على وجود أمة سورية، ولكن على حدودها وامتدادها، وفي حالة السعودية التي أتت لتتجاوز واقعا مفرطا في ممارسته القبلية، إلا أنه في النهاية يعكس الرؤية الغربية للشرق الأوسط، ولطبيعة الحياة الاجتماعية والأطر السياسية التي تعبر عنه.
لا ينفي ذلك بطبيعة الحال وجود الواقع القبلي والطائفي في الدول التي صنفها بالمصنوعة، وحتى بقاءه محددا رئيسيا لجوانب الحياة فيها، ولكن بعضها كانت تتحصن بالجغرافيا، أو تحاول السباحة عكس تيارها، لتضع أساس مبررها الوجودي، ولا ينفي ذلك في المقابل وجود القبائل والطوائف في مصر وإيران والمغرب، ولكنها متوارية أمام تحصن جغرافي، أو عمق تاريخي يجعل من الضروري أن يضبط التنوع بأدوات خشنة وناعمة متعددة، لتصبح واحدية الشخصية الوطنية عبئاً على المجتمع لا ميزة يمكن على أساسها إطلاقه إلى أفق جديد.

يعيد المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك إلى إنتاج هذه الرؤية ليقول: «أنه لا يوجد شرق أوسط.. هناك قبائل وقرى، والدولة الوطنية اختلقها البريطانيون والفرنسيون في 1916 مع سايكس – بيكو»، ليبدي مزيدا من التعالي في نظرته للمنطقة، التي أتت في لقائه مع صحيفة إماراتية وحديثه عن عدم ثقته في أي أحد بالمنطقة، مضيفا بما في ذلك إسرائيل. توم براك ليس رجلا أبيض، أو من الفئة التي توصف بأصحاب الرقاب الحمراء، ولا هو من ورثة المركزية الأوروبية مثل صموئيل هنتنغتون، ولكنه ينتمي إلى أسرة لبنانية هاجرت من زحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع القرن العشرين، ليولد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية منتميا إلى جيل الطفرة، الذي يعتنق الحلم الأمريكي بوصفه أحد مقدساته، ويصعب أن يرى العالم خارجه، وهو الجيل نفسه الذي ينتمي له ترامب الذي يحمل ضمنيا الرؤية نفسها تجاه الشرق الأوسط ودوله، ولكن تعوزه القدرة على الحديث بطريقة تبدو ذكيةً أو لامعة مثل براك، مع أنهما قدما معا من عالم التطوير العقاري. ما هو خطير في حديث براك، النسخة المحسنة من تفكير ترامب، هو أن الشرق الأوسط في حالته الراهنة قابل للتفكيك وإعادة التركيب ليخدم المصالح الأمريكية بصورة أفضل، لأنهما يريان أن الشرق حافل بالعنف، وعدم الاستقرار نتيجة توزع الدول، التي حملت بذور الصراع الطائفي والقبلي داخلها، وأن تهدئتها لتكون ممرا يتأتى من خلال دول جديدة أكثر اتساقا من الناحية المجتمعية، مثل دولة للدروز في الجنوب السوري، وفصل دولة مارونية بتخلي الدولة اللبنانية عن مناطق سنية لسوريا، وتحركات مشابهة، وفي هذه الحالة يمكن التفاهم مع دول ضعيفة ومجهرية لتؤدي أدوارا وظيفية داخل منظومة تسعى إلى تأسيس عالم الممرات الكبرى التي تصل الغرب بآسيا.
الحل الآخر هو وضع قوة مهيمنة وقمعية تسحق المجتمعات وتنوعها، ليصبح رجال مثل صدام حسين وحافظ الأسد والقذافي مطلوبين من جديد، على أن يبقى الجميع تحت هيمنة الضبط الإسرائيلية، والخلاف في الإدارة الأمريكية ليس حول تمكين الدول في الشرق الأوسط من أجل أن تحقق نموذجا عصريا، ولكن لوضعها في منظومة تخدم المصالح الأمريكية والغربية، وتبقى مصلحة الفرد في المنطقة العربية، وسلامة المجتمع، وغيرها من المستلزمات لدولة حقيقية آخر اهتمامات الأمريكيين وحلفائهم، من الذين أسسوا لمنظومة طبقية الدول في العالم، كثمرة لعصر الاستعمار المباشر والنهب المنظم. يمكن تقديم براك بوصفه نموذجا كلاسيكيا لعبيد الحقل، نظرا لأنه يتفلسف ويتفذلك بناء على انتمائه الأسري القديم للمنطقة، ليظهر وكأنه يفهمها بطريقة تعوز بقية زملائه في الإدارة الأمريكية وشركائه في مشروعات ترامب، وتصوراته التي تحاول أن تستعيد الحلم الأمريكي لجيل الطفرة، ولكنه يتناسى أن الغرب نفسه كثيرا ما كان يوظف أدواته من أجل عرقلة أي مشروع يتخطى واقع التشظي القبلي والطائفي في المنطقة، وأنه بقي يتلاعب طويلا بأدواته الاستخباراتية والمالية ليقلب طموحات مشروعة إلى واقع كارثي، كما حدث مع تجربة إبراهيم الحمدي في اليمن، وهذه التجربة سقطت في كواليس إقليمية ودولية، وكان الواقع القبلي في اليمن غير ناضج للمحافظة عليها، من غير أن يكون هو سبب إسقاطها وتقويضها.
لم تنشأ الدول العربية بصورة طبيعية، وباستثناء مصر وعمان وتونس، فهي كانت نتيجة تفاعلات كثيرة ومعقدة، ولكنها في الوقت نفسه لم تترك لأن تخوض خياراتها الكاملة في مرحلة التأسيس، فالحق الذي أطلقه الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون أفرغته بريطانيا وفرنسا من معناه بالكامل، وكان الصراع على تركة الإمبراطورية العثمانية، والتحالفات داخل الجزيرة العربية، هي التي تؤسس دولا جديدة كان يفترض أن تمضي في طريق الاستقلال، إلا أنه بقي يتعثر بصورة دائمة أمام التدخلات الغربية، وفقا لمصالحها ورؤيتها ومشاريعها المختلفة، واليوم، يعود براك، القادم من المنطقة نفسها، ليطرح أسئلة الوجود ويضع الجميع أمام تهديدات فعلية للعودة إلى المربع الأول.
لماذا يستثني الجميع تركيا عند حديثهم عن التفكيك والتركيب، مع أنها دولة مصنوعة هي الأخرى، بل وكثير من أساسيات وجودها مختلقة ذهنيا، وخضعت لخطاب سلطوي وأبوي هندسه مصطفى كمال أتاتورك، الأمر ببساطة ربما يتعلق بأن أتاتورك لم يكن له أبناء، وأن شعوره بالأبوة كان عموميا للأتراك جميعا، أو من تصور أنهم شعب تركي يمكن أن يبقى على حواف لغة مشتركة وثقافة متشابهة، ولذلك لم يكن للرجل قبيلة بالمعنى المتعارف عليه أو أي معنى آخر، وفي المقابل، يأتي نموذج صدام حسين الذي كان واعدا في بدايته، ويحب الشخصية العراقية التي يسعى لتأسيسها، وحتى قابلا لتنوعها وتعددها، ولكنه لم يشعر بأنه يحب أي شيء أكثر من أسرته وقبيلته، فأخذ يشحنهم بإمكانياتهم المتواضعة لمقدمة مواقع التأثير والقرار في العراق. القبيلة ليست المشكلة في حد ذاتها، ولكن فكرة القبيلة التي تخاف من القبائل الأخرى، وفشل الدولة في أن تكون المظلة الحقيقية للجميع، وهو ما يرتبط بهندسة خبيثة في كواليس المنطقة في صياغة التحالفات ووعود التحالفات، التي كثيرا ما انكشف أنها غواية فارغة، والدول في الشرق لم تتمكن من الحصول على فرصة لأن تنفض عن ظهرها الاستعمار الجديد ووكلائه في أي مرحلة، والمشكلة أن الاستعمار يستغرب من وضعها القائم ويحاول أن يحاكمها بمنطق قديم يعود لقرن مضى من الزمن.
يحاول براك أن يظهر كمثقف ومنظر، وهو في الحقيقة ليس أكثر من مقاول لديه تصورات عامة، وما أكثر المقاولين الذين يحاولون الظهور كأذكياء ومفكرين، وبعضهم للأسف يمتلك سلطة استثنائية.

كاتب أردني

عن صحيفة القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى