أقلام مختارة

الشاب فوينتس يهدد عرش الحزب الجمهوري الأمريكي

حسين مجدوبي

يعيش المعسكر المحافظ في الولايات المتحدة تطورات مثيرة للغاية، بسبب محاولة حركة «ماغا» إرساء أرضية صلبة لاستمرار الفكر المحافظ في البلاد، ثم ظهور ناشطين شباب، مثل نيك فونتيس صاحب الأطروحة العنصرية، الذي يمجد ستالين ويندد بسيطرة إسرائيل على السياسة الأمريكية، ويهدد مخططات الحزب الجمهوري للمستقبل.
وعلى الرغم من أن الدول الغربية هي دول ديمقراطية، إلا أن هناك دائما جماعات ترغب في التحكم في مسارها، قد يراها البعض أشبه بالأحزاب السياسية، التي تضع برامج للحصول على ثقة الناخب في اقتراع حر، لكن نشاطها وراء الستار، وعضوية أثرياء ومفكرين وضباط سابقين في الجيش بما في ذلك الاستخبارات، يجعل التساؤل بشأن أهدافها الخفية مشروعا.
وضمن الأمثلة، ما كشفت عنه صحيفة «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي من اجتماعات سرية لـ»روكبريدج»، وهي مجموعة سرية وسط حركة «ماغا» (اجعل أمريكا عظيمة من جديد). وهي تضم شخصيات متنوعة بزعامة المفكر والثري كريس بوسريك، بهدف هيكلة حركة «ماغا»، التي تعتبر عماد الحزب الجمهوري والركيزة، التي أوصلت الرئيس دونالد ترامب إلى الرئاسة، رفقة تنظيم آخر وهو «معهد هيريتاج للتفكير الاستراتيجي». وظهر هذا المعهد الأخير في الماضي لدعم الرئيس رونالد ريغان، الذي رفع نسبيا الشعارات نفسها التي يرفعها ترامب، ولكن مع نوع من الرزانة البعيدة عن الاستعراض السياسي. ويبقى كريس بوسريك، العقل المدبر لهذه الحركة، التي تعتقد في ضرورة تولي رجال الأعمال والطبقة الثرية زمام الأمور في البلاد، لخلق الثروة ومناصب الشغل، على شاكلة ما فعلت الطبقة البورجوازية في أوروبا بعد القرن السابع عشر. وهذا المفكر- الثري -السياسي، الذي يؤمن بدور التكنولوجيا في مستقبل البلاد والبشرية، هو الذي جعل أثرياء العالم الرقمي مثل، غوغل وفيسبوك يحيطون بترامب.
في اجتماعها السري الأخير، الذي تناولته صحيفة «واشنطن بوست»، يبرز كيف أن هذه الحركة ترى المستقبل أبعد من الرئيس دونالد ترامب، الذي بقي له فقط ثلاث سنوات وسيغادر، بينما هي تمتلك برنامجا للمستقبل، على المستوى البعيد يمتد على الأقل لثلاثة عقود، وهي التي تعد نائبه دي فانس للرئاسة مستقبلا. تريد أن تستعيد الولايات المتحدة ما كانت عليه اقتصاديا وسياسيا، إلى ما بين العشرينيات وحتى أوائل السبعينيات، عندما كانت طبقة من رجال الأعمال والسياسيين المحافظين يسيطرون على زمام الأمور في مختلف القطاعات. ولم يتردد كريس بوسريك في التصريح لـ»واشنطن بوست» مؤخرا بشأن أفكاره «إما أن يكون لديك نخبة مستغِلة، أو نخبة منتِجة، نحن نريد أرستقراطية منتِجة تحكم البلاد جيدا كي يزدهر الجميع». وبالتالي، نحن لسنا أمام حركة مفتوحة، لأن «ماغا» مفتوحة، بل أمام ناد مغلق على شاكلة نادي بيلدلبرغ، الذي ظل لعقود ينشط في السرية، وتحوم حوله الأساطير حتى السنوات الأخيرة.

وكانت هذه المجموعة تريد مواجهة الفكر التقدمي، لاسيما بعدما بدأ يسيطر على الحزب الديمقراطي، وبلغ أوجه مع ارتفاع أسهم السياسي بيرني ساندرز، وفوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك الأسبوع الماضي، لكن المواجهة جاءت من صفوف حركة «ماغا» نفسها، وذلك بظهور شاب اسمه نيك فونتيس بأفكار متطرفة تشغل الرأي العام الأمريكي. ومن المفارقات الغريبة أنه اعتادت وسائل الإعلام مثل، «سي إن إن» و»نيويورك تايمز» و»واشنطن بوست»، خلق الحدث السياسي – والإعلامي بفضل كتاب الرأي وبعض الأخبار التي تنفرد بها، إلا أنه خلال الشهور الأخيرة أصبح بودكاست هو صانع الحدث، ومع إعلاميين وناشطين من اليسار، خاصة من اليمين المحافظ، وهو ما يتجلى في تاكر كارلسون والآن نيك فونتيس. هذا الأخير لا يتجاوز 27 سنة من العمر، يحمل أفكارا متطرفة تدعو إلى سمو العنصر الأبيض على الباقي ويدافع عن أمريكا بيضاء، لكن تبقى أخطر أطروحاته هي رفضه لهيمنة إسرائيل على الحياة السياسية الأمريكية، ويطالب اليهود الأمريكيين بالولاء للولايات المتحدة. ولا يخفي إعجابه بكل من هتلر وستالين ويشكك في الهولوكوست. وتبقى المفارقة الكبرى، أنه لم يعد ينافس فقط وسائل الإعلام الكبرى، بل جرائد مثل «نيويورك تايمز» و»واشنطن بوست» تناقش طروحاته الفكرية. ومن جهة أخرى، لم تعد حركة «ماغا» وجمعيتها السرية «روكبريدج» تحاول مواجهة مفكري اليسار، بل تحاول الآن احتواء طروحات نيك فوينتيس، حيث ضاعفت المقابلة التي أجراها معه تاكر كارلسون في برنامجه بودكاست، منذ أسبوعين، من مشاكل وسط الحركة التي اعتبر مسؤولوها ذلك خيانة من طرف كارلسون. وعلقت «واشنطن بوست» السبت الماضي على الحوار بأنه تسبب في حرب أهلية وسط حركة «ماغا». سجل البرنامج قرابة ستة ملايين مشاهدة في أقل من أسبوعين. وهكذا، أصبح نيك فوينتيس قادرا على التأثير على ملايين من ناخبي الحزب الجمهوري لاسيما الشباب، ويكفي أن ترامب استقبل نيك فوينتيس سنة 2022 لكي يكسب تأييده.
ومن المفارقات المثيرة، كان المحافظون الأمريكيون يتابعون طروحات مثل إيرفينج كريستول وسامويل هنتنغتون والآن يتابعون طروحات نيك فوينتيس وشارلي كيرك، الذي جرى اغتيالها خلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي. ولعل «أم المفارقات» أن حركة «ماغا» وجناحها السري «روكبريدج» أرادا السيطرة على وسائل الإعلام للتحكم في الرأي العام وتوجيهه، لكن المفاجأة أن شابا يستعمل فقط وسائل التواصل الاجتماعي مجانا، هو نيك فوينتس، يقدم قراءة سوسيولوجية للمجتمع الأمريكي وتأويل خاص للأحداث التاريخية، نجح في التحول إلى أكبر عائق لهذه الحركة ومهددا وحدتها، ومتفوقا على كل مخططات المليارديرات مثل روكبريدج. رغم الفارق وصعوبة المقارنة، نجد مثالا في معسكر يسار الحزب الديمقراطي، عندما نجح زهران ممداني في التغلب على الجناح المؤسساتي في حزبه والتفوق على المليارديرات، الذين اصطفوا إلى جانب خصمه أندرو كومو وفاز بانتخابات بلدية نيويورك.

كاتب مغربي

عن صحيفة القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى