السلايدر الرئيسي

السويداء بين فوضى السلاح والمخدرات وخرائط الخارج.. حكمت الهجري يتحدّى الدولة… ومذابح واحراق منازل وتهجير قسري عقب انسحاب قوات الحكومة السورية

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قدّم الباحث الامريكي المتخصص في الشأن السوري تشارلز ليستر عبر سلسلة تحليلية على موقع “اكس”، ما وصفه مراقبون بأنه من أدقّ وأصدق التفسيرات المحايدة لما جرى في محافظة السويداء خلال النصف الأول من تموز/يوليو الجاري، حيث تحوّل نزاع محلي إلى مواجهة معقدة متعددة الأطراف، أظهرت هشاشة التفاهمات الداخلية، وفتحت الباب أمام التدخلات الإقليمية.

بدأت الشرارة في 11 تموز عندما هاجم مسلحون من البدو شاحنة خضار على طريق دمشق السويداء، اعتدوا على السائق وسرقوا حمولتها. الرد لم يتأخر، إذ قام مسلحون دروز باختطاف ثمانية من أبناء البدو في اليوم التالي، ليرد الطرف الآخر بخطف خمسة دروز. فشلت الوساطات المحلية، ومع فجر 13 تموز اندلع قتال عنيف غرب مدينة السويداء وداخلها، حيث تعرّضت قرى درزية لقصف متبادل، كما حوصرت مناطق بدوية، ما أدى إلى مقتل نحو 30 شخصًا وإصابة أكثر من 100 خلال أقل من 24 ساعة.

في 14 تموز، دخلت الحكومة السورية الانتقالية على الخط للمرة الأولى منذ أشهر، ونشرت وحدات من الجيش وقوات الداخلية في مناطق من السويداء، رغم الاتفاقيات السابقة التي كانت تمنع دخولها إلى المحافظة ذات الغالبية الدرزية. هذا التدخل أعاد تشكيل المشهد، لكنه لم يمنع التصعيد.

في اليوم التالي، 15 تموز، أعلن عدد من القادة المحليين، من بينهم زعماء دروز ومسيحيون، ومجلس مدني، وقفًا لإطلاق النار، مع دعوة القوات الحكومية لضبط الأمن. غير أن الزعيم الديني البارز الشيخ حكمت الهجري سرعان ما رفض الاتفاق، ودعا إلى استمرار القتال. بالتزامن تقريبًا، شنت إسرائيل سلسلة غارات جديدة داخل سوريا، شملت مواقع في السويداء.

ومع الساعات التالية، تعرّضت قوات الجيش السوري لكمائن متزامنة في تسعة مواقع مختلفة داخل السويداء، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى. حتى مساء 15 تموز، أحصيت 118 حالة وفاة مؤكدة، توزعت على النحو التالي: 41 من القوات الحكومية، 7 من الميليشيات الدرزية الموالية، 19 من المسلحين البدو، 49 من المسلحين الدروز، واثنان من المدنيين.

انهار وقف إطلاق النار تمامًا مساء 15 تموز، وسط تقارير عن إعدامات ميدانية وانتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات الحكومية. ورغم دخول وساطات أميركية وإسرائيلية على الخط، إلا أن الضربات الجوية الإسرائيلية استمرت دون انقطاع.

وفي قلب هذه المعركة، لعب “مجلس السويداء العسكري” بقيادة حكمت الهجري دورًا حاسمًا. هذا المجلس الذي تشكّل بعد سقوط النظام السابق، يضم ثلاثة من جنرالات النظام السابق، وتعتبره أجهزة الاستخبارات الإقليمية شريكًا محليًا لإسرائيل. وتقول هذه الأجهزة إن المجلس لا يزال يسيطر على الجزء الأكبر من تجارة المخدرات في الجنوب السوري، بما يشمل الكبتاغون، الهيروين، الكريستال ميث، والحشيش، وهي تجارة تعود جذورها إلى مرحلة ما قبل التغيير السياسي.

وتزامنًا مع المواجهات في السويداء، أعلن الجيش الأردني عن اشتباكين ضد مهربين قادمين من الجنوب السوري في 15 تموز، مما يعزز الفرضية بأن خطوط التهريب لا تزال فاعلة عبر هذه المناطق المتوترة.

وكان ليستر قد أشار إلى لقائه مع حكمت الهجري في شباط/فبراير الماضي، حيث لاحظ خلال اللقاء عداءً واضحًا من الهجري تجاه الحكومة الانتقالية، التي وصفها بـ”التكفيريين الإرهابيين”، وأبدى انفتاحًا على الحماية الإسرائيلية. كما تجاهل مقاتلون مقرّبون من الهجري أي سؤال متعلق بعلاقتهم بتجارة الكبتاغون.

استمر القتال حتى 16 تموز، مع تصعيد في الغارات الإسرائيلية، فيما استمرت القوات الحكومية بالتقدم، وتمكنت من دخول مدينة السويداء واستعادة بلدة قنوات، حيث يقع المجمع الديني والإداري المرتبط بالهجري.

وفي تصعيد خطير، استهدفت إسرائيل وزارة الدفاع السورية في دمشق مرتين، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، قبل أن توسّع هجماتها لتشمل محيط القصر الرئاسي وعددًا من القواعد العسكرية السورية.

وأُعلن وقف ثانٍ لإطلاق النار بين قيادات درزية والحكومة السورية، لكن مرة أخرى، رفض الهجري الالتزام به، ودعا إلى مواصلة القتال، ليتبع ذلك على الفور موجة جديدة من الغارات الإسرائيلية استهدفت القوات الحكومية في مناطق مختلفة من السويداء.

هذا السلوك أثار استياءًا واسعًا داخل الطائفة الدرزية، حيث اتهم الشيخ يوسف الجربوع الهجري بمحاولة احتكار القيادة، فيما اعتبره الزعيم الدرزي ليث البلعوس “عنصرًا تخريبيًا يعرّض المحافظة للخطر”.

وبوساطة أميركية مكثفة، تم التوصل إلى هدنة ثالثة خلال 36 ساعة، تضمنت الشروط ذاتها التي رُفضت سابقًا: انسحاب القوات الحكومية، وتولي وزارة الداخلية إدارة الملف الأمني بالتعاون مع القوى المحلية الدرزية، مما يشير إلى اتجاه لتقليص نفوذ الهجري تدريجيًا داخل السويداء.

يؤكد ليستر أن هذا التصعيد الدموي الذي أودى بحياة المئات وأشعل خطابًا طائفيًا متصاعدًا، كان بالإمكان تفاديه، حيث تم التوصل إلى اتفاق شامل قبل 48 ساعة من تفجّر الأوضاع، لكن رفض الهجري، إلى جانب الضربات الإسرائيلية، أشعل الموقف.

وحذّر ليستر من التضليل الإعلامي الواسع، مشيرًا إلى انتشار عشرات التقارير الكاذبة خلال ثلاث ساعات فقط، حول مذابح في مستشفيات واقتلاع قلوب وحرق نساء وأطفال أحياء، قائلاً إنها مختلقة بالكامل. ووفق أقدم مرصدَين سوريين، فإن نسبة الضحايا من النساء والأطفال لم تتجاوز 68٪، في حين شكّل المقاتلون أكثر من 76٪ من القتلى.

وأضاف ليستر انه منذ دخول الاتفاق الذي تم بوساطة أميركية وإقليمية حيز التنفيذ ليلًا، عادت الأوضاع للتدهور من جديد في محافظة السويداء. فقد استعادت “المجلس العسكري” التابع لحكمت الهجري والميليشيات المتحالفة معه السيطرة على أراضٍ كانت قد خسرتها في الأيام السابقة، وسط تقارير عن مقتل بدو وتهجيرهم. “الفصائل والأعيان المحليون من الطائفة الدرزية”، الذين كان من المتوقع أن يتولوا مسؤولية الأمن (وأغلبهم مقرّب من ليث البلعوس)، غابوا تمامًا عن المشهد، ويرجّح أنهم تعرضوا لضغوط أو تم تحييدهم من قبل القوات الموالية للهجري، التي احتفلت صباح اليوم داخل مبنى المحافظة. رغم أن الأحداث لا تزال في بدايتها، إلا أن مقاطع مصوّرة مروعة بدأت بالظهور من مناطق يسكنها البدو في السويداء، وتُظهر سقوط عدد كبير من القتلى من رجال ونساء وأطفال. وتظهر في مقاطع أخرى ميليشيات درزية تجوب مخيمات بدوية أصبحت خالية، وتحتفل هناك. من المرجّح أن الأمور ستتجه نحو مزيد من التصعيد. في بيان جديد صدر اليوم، طالب حكمت الهجري بفتح معابر مباشرة بين السويداء وكل من: (1) الأردن، و(2) مناطق قوات سوريا الديمقراطية (قسد). رغم أن هذين المطلبين لن يتحققا، 

في ضوء هذا المشهد، تبدو السويداء اليوم نموذجًا مصغّرًا للصراع السوري المعقد، حيث تتقاطع فيه التوترات المحلية مع الحسابات الإقليمية، وتتحوّل المبادرات الفردية إلى قرارات مصيرية تمسّ الأمن الوطني. وبينما تسعى الحكومة الانتقالية إلى استعادة سيطرتها، لا تزال قوى محلية وخارجية تجرّ البلاد إلى صراعات جانبية تهدّد وحدتها ومستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى