الجنرال الذي لا يظهر في الصور.. من هو “رجل الظل” المصري خلف اتفاق غزة؟
من سعيد هنداوي
القاهرة ـ يورابيا ـ من سعيد هنداوي ـ لعب أحد أبرز لواء المخابرات العامة المصرية أحمد عبد الخالق، دورًا محوريًا خلف الكواليس في إنجاح مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، والتي تم التوصل إليها مؤخرًا بوساطة دولية معقدة.
ورغم أن أضواء الإعلام سُلّطت على القادة السياسيين والمفاوضين الرسميين، إلا أن اللواء عبد الخالق، المعروف داخل أروقة المخابرات المصرية بـ”رجل الملفات الصعبة”، كان بمثابة المحرّك الهادئ لواحدة من أكثر الوساطات تعقيدًا منذ سنوات، مستندًا إلى خبرة ميدانية عميقة في الملف الفلسطيني، وشبكة علاقات متينة مع كافة الأطراف، بما في ذلك حماس، والجهاد الإسلامي، والسلطة الفلسطينية، وأطراف إقليمية ودولية.
المهندس الصامت لملف فلسطين
يترأس اللواء أحمد عبد الخالق ملف الشؤون الفلسطينية داخل جهاز المخابرات العامة المصرية منذ يوليو 2018، خلفًا للواء سامح نبيل. ويصفه المراقبون بأنه الرجل الذي “يعرف غزة أكثر من بعض أبنائها”، بعد سنوات طويلة قضاها في العمل الميداني والدبلوماسية الأمنية ضمن أكثر البيئات حساسية في المنطقة.
بدأ عبد الخالق مسيرته في الملف الفلسطيني كملحق عسكري في السفارة المصرية بغزة، قبل أن يُزجّ به ضمن طاقم الوساطة المصرية خلال الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2006، ثم في مفاوضات المصالحة بين حركتي فتح وحماس، في مراحل متعددة من الانقسام الفلسطيني.
أبرز محطاته كانت صفقة تبادل الأسرى عام 2011، التي أدت إلى إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مقابل أكثر من ألف أسير فلسطيني، وهي العملية التي عززت مكانته كوسيط قادر على إدارة الملفات الحساسة بثقة الطرفين.
مكوكية في الظل: عندما تتحدث العلاقات لا الأضواء
منذ توليه المسؤولية رسميًا في الجهاز، كثّف اللواء عبد الخالق من حضوره في غزة، من خلال زيارات منتظمة، بعضها سرّي والآخر علني، شملت لقاءات مع قادة الفصائل وأجهزة الأمن، وأحيانًا مع وجهاء العشائر لضبط الأوضاع الاجتماعية في لحظات التوتر.
من أبرز محطاته:
-
نوفمبر 2018: شارك في تشييع مقاتلي كتائب القسام الذين قُتلوا في عملية إسرائيلية فاشلة، وهو حضور نادر لمسؤول مصري، واعتُبر إشارة قوية على متانة العلاقة بينه وبين قادة حماس، خاصة يحيى السنوار الذي استقبله بحفاوة غير مسبوقة.
-
فبراير 2020: قاد وفدًا أمنيًا إلى غزة بعد أزمة دبلوماسية أعقبت زيارة رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية إلى طهران. عبد الخالق أعاد التوازن للعلاقات ونجح في احتواء التوتر.
-
ديسمبر 2020: خاض جولة مفاوضات مكثفة بشأن صفقة تبادل جديدة للأسرى، لكن العراقيل السياسية والأمنية حالت دون إتمامها.
-
أكتوبر 2018: استطاع انتزاع اتفاق هش للتهدئة بعد موجة تصعيد عنيفة، من خلال إقناع الفصائل المسلحة بوقف إطلاق الصواريخ، في صفقة ساهمت في منع تصعيد عسكري شامل آنذاك.
حضور بلا كاميرات.. وتأثير لا يُقاس بالتصريحات
ما يميز اللواء عبد الخالق، وفق مصادر مطّلعة، ليس فقط معرفته الدقيقة بتفاصيل الملف الفلسطيني، بل أسلوبه التفاوضي الذي يجمع بين الصبر والصرامة، ومعرفته بمفاتيح التأثير داخل غزة والضفة الغربية على حد سواء.
كما يمتلك الرجل علاقات غير معلنة مع عدد من الدوائر السياسية والأمنية في إسرائيل، وهو ما سمح له بأن يكون قناة اتصال “هادئة وموثوقة” بين تل أبيب وغزة في لحظات التأزّم، دون أن يظهر اسمه في العناوين.
وفي المشهد الأخير، المتعلق باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية – مصرية – قطرية، تقول المصادر إن عبد الخالق لعب دور الموازن بين ضغوط إسرائيل ومطالب حماس، وتوترات الميدان، وحساسيات الإقليم، ما أهّله لأن يكون أحد العقول الأساسية وراء نجاح الاتفاق الأخير.
في قلب الصراع… وخلف القرارات
في مرحلة يغلب عليها الاستقطاب، والتوتر الإقليمي، وضبابية التحالفات، يبرز اسم اللواء أحمد عبد الخالق كواحد من “الجنرالات غير المرئيين” الذين لا يظهرون في الصورة، لكنهم يحرّكون الخيوط في الخلفية.
إنه نموذج لـ”القوة الهادئة” في الدبلوماسية المصرية، وأحد أسباب استمرار الدور المصري فاعلًا في واحد من أعقد ملفات الشرق الأوسط: فلسطين.
