إيران تُكافح لإعادة تموضعها في سوريا ما بعد الأسد وسط تحولات إقليمية معقّدة
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ عد أكثر من عقد من الدعم المالي والعسكري والسياسي لنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، تجد إيران نفسها اليوم في موقع دفاعي حرج، وهي تحاول بصعوبة الحفاظ على موطئ قدم لها في سوريا، عقب سقوط النظام أواخر عام 2024 على يد تحالف قادته “هيئة تحرير الشام”.
بحسب تقرير لمجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت” الأمريكية، فإن هذا التحول المفاجئ شكّل نكسة كبرى لطهران، إذ اعتبر أحد قادة الحرس الثوري الإيراني أن ما جرى “هزيمة نكراء” للجمهورية الإسلامية، بالنظر إلى استثماراتها الضخمة في سوريا خلال سنوات الحرب.
عودة بحذر… لا اندفاع
في مرحلة ما بعد الأسد، تتعامل إيران مع سوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع بنهج حذر، يسوده الترقب والمراجعة، وسط إشارات متضاربة من دمشق. الشرع الذي يسعى حثيثاً نحو إعادة التموضع في الحضن الغربي، خاصة عبر انفتاحه على الولايات المتحدة وفرنسا، لا يبدو راغباً في عودة علنية وسريعة للعلاقات مع طهران، خشية إغضاب الشركاء الغربيين الذين ينظرون إلى إيران كقوة مزعزعة للاستقرار.
في المقابل، تواصل طهران اتصالات “غير مباشرة” مع دمشق، بوساطة تركية وقطرية، لكنها تعلن أنها “ليست في عجلة” لإعادة العلاقات الرسمية.
الحذر الإيراني ومخاوف من الفوضى
المبعوث الإيراني للشأن السوري، محمد شيباني، أوضح أن بلاده تراقب الوضع قبل الانخراط الكامل، معرباً عن قلقه من تصاعد “الإرهاب” في حال استمرار غياب الاستقرار، وهو ما قد يُعيد ظهور تنظيم داعش، ويمثّل تهديداً لسوريا والمنطقة.
إيران، بحسب المحللين، لا تملك ترف الانسحاب الكامل، لكنها مضطرة إلى اتباع استراتيجية ناعمة وواقعية، تعتمد على وسطاء وتحالفات مرحلية.
رهانات متناقضة.. واشنطن وإيران
السياسة الأميركية تجاه سوريا شهدت تغييرات جوهرية، خاصة بعد لقاء مباشر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع في الرياض. هذا التقارب أدّى إلى تخفيف بعض العقوبات الغربية عن دمشق، مما أعطى مؤشراً على إعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام الإقليمي والدولي بعيداً عن نفوذ طهران.
الشرع، بحسب تحليلات المجلة، يبدو واعياً للمخاطر السياسية من التقرّب العلني لطهران، في وقت يسعى فيه لفتح أبواب التطبيع مع الغرب، وحتى مع إسرائيل.
نفوذ طهران في المنطقة… لم ينتهِ
رغم الخسارة الاستراتيجية في دمشق، لا تزال طهران تحتفظ بنفوذ مهم في العراق ولبنان—وهما بلدان مجاوران لسوريا ويرتبطان عضوياً بها من حيث الجغرافيا والسياسة والطاقة. وهنا، تشير الأستاذة في العلاقات الدولية مارينا كالكولي إلى أن الشرع لا يستطيع تجاهل إيران كلياً، لأسباب اقتصادية وأمنية، لكنه سيحرص على إبقاء العلاقة “بمستوى منخفض وغير صدامي”.
تركيا وقطر… قنوات الوساطة
في مشهد يعكس تحولًا كبيرًا في ديناميكيات القوة الإقليمية، أصبحت أنقرة والدوحة أبرز الوسطاء بين دمشق وطهران. فبينما تسعى هاتان الدولتان إلى ضمان عدم تحوّل سوريا إلى ساحة نفوذ إيراني، فإنهما تسعيان لتفادي تهميش إيران بالكامل، منعًا لانزلاق سوريا إلى مزيد من الفوضى.
سوريا الجديدة ومحور مقاومة قديم
في أقل من عام، تحوّلت سوريا من حليف ثابت لإيران إلى دولة تسير بخطى متسارعة نحو شركاء الأمس من خصوم طهران: تركيا، الخليج، وحتى الغرب. وبينما تكافح إيران لاستعادة تأثيرها، فإن ميزان القوى في بلاد الشام يُعاد تشكيله من دونها، وإن لم يكن بالكامل بعيداً عنها.
الرهان الإيراني الآن ليس على السيطرة كما في عهد الأسد، بل على البقاء في اللعبة من خلال الحذر والوساطات، بانتظار فرص قادمة في مشهد إقليمي مضطرب.