تحقيقات

إرث البابا فرنسيس في الشرق الأوسط: جسور الحوار والتحديات القادمة أمام البابا ليون الرابع عشر

لندن ـ يورابيا ـ في تقرير موسع، استعرض المعهد الإيطالي للشؤون الدولية الإرث الديني والسياسي والدبلوماسي الذي تركه البابا الراحل فرنسيس، وخاصة فيما يتعلق بتقاربه الفريد وغير المسبوق مع الشرق الأوسط والعالمين الإسلامي واليهودي. وحذّر التقرير من أن البابا الجديد، ليون الرابع عشر، سيواجه اختبارًا بالغ الصعوبة في مواصلة هذا النهج المتوازن، لا سيما في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة، وأزمة الحرب في غزة، والانقسام العالمي المتزايد حول الصراع العربي الإسرائيلي.

تحوّل في سياسة الفاتيكان مع البابا فرنسيس

وفقاً للتقرير، مثّلت بابوية فرنسيس (2013–2025) نقطة تحوّل كبرى في سياسات الكرسي الرسولي تجاه الشرق الأوسط. فرغم الخلفية التاريخية المعقدة لعلاقة الفاتيكان مع العالم العربي الإسلامي، جاء فرنسيس ليحدث “ثورة دينية ودبلوماسية هادئة”، عبر خطوات رمزية وسياسية ملموسة.

من أبرز هذه الخطوات:

  • زيارته للأراضي الفلسطينية عام 2014، وتوقفه المفاجئ أمام الجدار العازل، في رسالة صريحة ضد الاحتلال، نالت تقديرًا واسعًا في العالم العربي.

  • الزيارة التاريخية إلى الإمارات عام 2019 وتوقيعه وثيقة “الأخوة الإنسانية” مع شيخ الأزهر أحمد الطيب، والتي مثّلت إعلان نوايا للتقارب المسيحي–الإسلامي.

  • زيارته إلى العراق عام 2021 ولقاؤه المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني، في خطوة عززت الحوار مع الإسلام الشيعي، وهو ما لم يحدث من قبل على هذا المستوى.

العلاقات مع اليهودية: تقدم ومطبات

على صعيد العلاقة مع اليهودية، عمل فرنسيس على تعزيز التعاون، مستندًا إلى إرث “نوسترا آيتاتي” (1965) التي أرست مفاهيم جديدة للعلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية واليهودية، رافضة الاتهامات التاريخية ضد اليهود بشأن صلب المسيح.
لكن في سنواته الأخيرة، ومع اشتداد حرب غزة، أثارت بعض تصريحاته المتعاطفة مع المدنيين الفلسطينيين ردود فعل سلبية في إسرائيل. وأشار التقرير إلى أن تأخر الحكومة الإسرائيلية في تقديم العزاء الرسمي بعد وفاة فرنسيس كان “مؤشراً سياسياً” على التوتر المستتر.

البابا ليون الرابع عشر: بداية جديدة وتحديات عميقة

مع انتخاب البابا ليون الرابع عشر، وهو أول بابا أمريكي في التاريخ، يترقب العالم الكيفية التي سيتعامل بها مع الإرث المعقد الذي ورثه عن سلفه. البابا الجديد، الذي سبق له العمل مبشرًا في أمريكا اللاتينية، أكد في خطابه الافتتاحي على استمرارية “جسر الحوار بين الأديان”.

وقد بعث رسائل إيجابية إلى كل من شيخ الأزهر والحاخامات في أوروبا والولايات المتحدة، مؤكداً التزامه باستمرار “الحوار الإبراهيمي” الذي أطلقه فرنسيس. لكن التحديات الجيوسياسية قد لا تسير في صالحه، خاصة وسط أزمة غزة المتفجرة، وصعود الشعور بالعداء تجاه إسرائيل في أوساط شعوب المنطقة.

ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الفاتيكان في الشرق الأوسط

1. سيناريو الحوار الثلاثي:

يتوقع المعهد أن يسعى البابا ليون إلى تنظيم لقاءات ثلاثية تجمع قادة الديانات الإبراهيمية الثلاثة – المسيحية، اليهودية، والإسلام – وهو ما سيشكل منعطفًا تاريخيًا جديدًا إذا تحقق. لكن هذا السيناريو يصطدم بحقيقة الانقسام العميق بين الطرفين الإسلامي واليهودي في ظل الحرب الدائرة.

2. سيناريو الحوار المنفصل:

ويرى التقرير أن الأرجح في المدى المنظور هو اعتماد الفاتيكان على حوار منفصل مع كل طرف، مع الحفاظ على الخطاب التوفيقي المعتدل، واستبعاد المواقف السياسية الحادة.

3. أسوأ السيناريوهات – القطيعة الجزئية:

حذّر التقرير من خطر أن يتسبب أي انحياز غير محسوب – سواء لصالح إسرائيل أو العالم الإسلامي – في إضعاف أحد المسارين. فمزيد من الانفتاح على إيران أو التنديد بالممارسات الإسرائيلية في غزة، قد يُضعف العلاقات مع تل أبيب، بينما يُعد أي تقارب شديد مع إسرائيل مصدر توتر محتمل في العواصم العربية والإسلامية.

نظرة إلى الأمام: الدور الوسيط للفاتيكان

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الإرث الذي تركه البابا فرنسيس يمثل فرصة للفاتيكان لتعزيز دوره كوسيط ديني–سياسي في الأزمات الشرق أوسطية، وأن البابا ليون الرابع عشر يمتلك أوراقًا دبلوماسية مهمة، لكنه سيكون بحاجة إلى حكمة وتوازن شديدين لضمان استدامة الحوار، وعدم السقوط في فخ الاستقطاب الديني أو السياسي.وقال المعهد الإيطالي في ختام تقريره:
“إذا نجح البابا الجديد في الحفاظ على التوازن بين المجتمعات اليهودية والإسلامية، واستمرار حماية المسيحيين في الشرق الأوسط، فقد يتحول الفاتيكان إلى منصة محورية لحوار الأديان في القرن الحادي والعشرين.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى