أقلام يورابيا

إبادة جماعية في تونس

ليلى العياري

في القرآن يقول عز وجل شأنه : (وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت)

صدق الخالق الذي هو أدرى بمكنونات خلقه، فكان كلامه عز وجل شأنه أبعد من الظاهر وأعمق في المعنى لو تدبره أولوا الألباب.

فالموؤودة هنا، معناها لا يقف عند الطفلة الأنثى التي يدفنها والدها وهي على قيد الحياة تخلصاً من “عارها” كأنثى. بل الوأد هنا بمعنى القتل بشقيه الظاهري والمجازي، بمعنى قتل الإنسان الذي كرمه الله بخلقه وأعطاه الروح من عنده.

هو قتل الإنسان في داخل تلك الروح، مما يساوي إزهاق الروح، فما معنى الروح وهي تعيش بيننا كشبح وبقايا إنسان.

وكذلك المغتصبة..فهي قتيل يتنفس، وميتة ماتت فيها الإنسانية ببشاعة ولم ندفنها بعد.

المؤسف ان تلك تعدت حدود الظاهرة في تونس، لتصبح قصة عادية تروي تفاصيل فضيحة معلنة يومياً، وخبرا تضج به الوكالات والمواقع بتفاصيل صارت تتصاعد في بشاعتها لتصل إلى اغتصابات ضحايا إما عجائز أو أطفال!! وهم أكثر الحالات تعرضا للإغتصاب، مما يكشف مدى جُبن المغتصب و انحطاطه في تعرضه لمن هم أضعف منه تلبيةً لغريزته البهيمية.

باعتقادي، ان مجتمع الذكور، أو عقلية ذكر القبيلة التي تحاول ان تسيطر على مجتمعناالتونسي(كما باقفي مجتمعاتنا العربية) هي عقلية تسعى جاهدة بكل محتواها الجمعي والباطن أن تكسر المرأة، بأي صيغة ممكنة، ومن تلك الصيغ انها تتواطأ مع المغتصب، ضد المرأة المغتصبة، لتحولها من ضحية إلى مجرمة، وتتعاطف مع المغتصب لتحوله من متهم إلى ضحية تم استفزازها بعورة الأنوثة “المحرمة”.

لقد حاول ذات المجتمع الذكوري و كل ذكور القبيلة فيه أن يقوموا بعملية إقصاء لنصف المجتمع عبر الإرهاب، فلم تفلح مساعيهم، فكان سلاحهم الجديد، تحويل ظاهرة الاغتصاب إلى إدانة للمراة التي “تنشز” عن طاعة الذكر السيد، وهذا اغتصاب مضاعف..أكثر تعقيدا، اغتصاب جماعي للمجتمع كله.

القوانين، هي انعكاس للضمير الجمعي، والتشريعات بكل الأحوال هي التي تترجم نبض المجتمع و تفكيره، وعليه فالتشريعات التي تواجه الاغتصاب لا تزال قاصرة في العقوبة، وتجامل المجتمع الذكوري الآيل للإنقراض في تونس بفضل الوعي الكامن لدى غالبية التونسيين.

إن إرجاع الأسباب في انتشار الاغتصاب إلى حرية المرأة وتحررها، يصبح تهمة مضحكة و متخلفة إذا ما رفع هؤلاء الغمامة عن أعينهم ليروا باقي العالم. ومن الضروري والحال كذلك فعلا أن يتم البحث في أسباب تلك الظاهرة و انتشارها مثل المخدرات او التعليم او الكبت، او ربما نفسه غسيل الأدمغة الممتليء بصور الإثارة الفانتازية التي تزرع في النفوس سيادة الذكر على الأنثى لتصبح متاعا مطلقا لا إنسانا سويا، مما يفتح المجال للإغتصاب ان يأخذ صورا متعددة وأقنعة تخفيه مثل زواج القاصرات، او الزواج بلا رضا عبر ولي الأمر ( وهو اغتصاب للإرادة الحرة)، أو أنواع مستجدة من النكاح باسم الشرع.

نحن أمام ظاهرة خطيرة تستوجب حوارا وطنيا، لأن ما يحدث هو إبادة إذا اعتبرنا الإغتصاب عملية قتل، لروح الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى