أنباءٌ عن وصول الـ “إس 300” إلى سوريا وسط رواج ظاهرة التسريبات المشبوهة!
جمال دملج
بيروت – يورابيا – في ظلّ استمرار الشرقطات المتتالية على خطّ التوتُّر العالي بين موسكو وتلّ أبيب جرّاء الأزمة الناجمة عن تداعيات حادثة إسقاط طائرة الـ “إيل 20” الروسيّة قبالة الساحل السوريّ ليل السابع عشر من شهر أيلول (سبتمبر) الجاري، ومن ثمّ عن حالة الكرّ والفرّ التي ما زالت تتسيَّد المشهد العامّ على الصعيدين الدوليّ والإقليميّ منذ الإعلان قبل عدّةِ أيّامٍ عن اعتزام روسيا تزويد سوريا بالمنظومة الدفاعيّة الصاروخيّة من طراز “إس 300” في غضون أسبوعين من الزمان، جاءت الأنباء المنشورة اليوم الجمعة حول ظهور دلائل تشير إلى بدء عمليّة توريد هذه المنظومة بالفعل لترفع منسوب المخاطر المحدقة بمنطقة الشرق الأوسط إلى مستوياتٍ قياسيّةٍ، مقارنةً بما اعتدنا على أن نشهده لدى احتدام الصراعات على مناطق النفوذ بين القوى الوازنة في أماكنَ مختلفةٍ من العالم، ولا سيّما أنّ صاعق التفجير مرهونٌ هذه المرّة بمدى استعداد الإسرائيليّين للقبول بالأمر الواقع الجديد أو بمدى إصرارهم على رفضه، وذلك بعدما علّمتنا التجارب السابقة أنّ مسألة وصول طراز الـ “إس 300″، على وجه الخصوص، إلى الأراضي السوريّة، بقيت خلال العقود الثلاثة الماضية بمثابة الخطّ الأحمر غير القابل للاختراق في حسابات الدولة العبريّة لاعتباراتٍ تتعلَّق بأمنها القوميّ، وهي الاعتبارات التي بقي الجانب الروسيّ يتفهّمها في الموازاة، ولو على مضضٍ، وإلى حين.
وبحسب ما نقلته وكالة “سبوتنيك” الروسيّة صباح اليوم عن صحيفة “فزغلاد” المحلّيّة، فإنّ صورًا نشرها موقع “ديريكتوراتي 4” على شبكة الإنترنت أظهرت وصول سبعِ طائراتِ نقلٍ عسكريّةٍ من طراز “إيل 76” إلى قاعدة حميميم الجوّيّة في سوريا، الأمر الذي زعم الموقع أنّه يُعتبَر دليلًا على بدء عمليّة توريد منظومة الـ “إس 300” بالفعل، إضافةً إلى معدّاتٍ عسكريّةٍ أخرى، ولكن من دون أن يقدِّم أيَّ توضيحاتٍ إضافيّةٍ حول نوعيّة تلك المعدّات وعددها ومجالات عملها.
الهيبة الروسيّة
لا شكّ في أنّ هذه الأنباء تشكِّل تجسيدًا عمليًّا لما كان وزير الدفاع الروسيّ سيرغي شويغو قد تعهَّد به يوم الرابع والعشرين من الشهر الجاري لدى إعلانه عن اعتزام بلاده إرسال المنظومة المذكورة إلى سوريا من أجل تعزيز الدفاعات الجوّيّة السوريّة وضمان سلامة الجنود الروس العاملين هناك، وخصوصًا بعدما كانت تداعيات حادثة إسقاط الـ “إيل 20” قد أدّت إلى إعادة تسليط الضوء على حالة الامتعاض السائدة في أوساط عددٍ لا يُستهان به من رموز ومكوِّنات المؤسّسة العسكريّة في موسكو جرّاء استمرار الأعمال الاستفزازيّة التي يقوم بها سلاح الجوّ الإسرائيليّ داخل الأراضي السوريّة، متحدّيًا الهيبة الروسيّة هناك بشكلٍ صارخٍ يكاد يصل إلى حدّ العربدة، ولا سيّما في ظلّ عدم إقدام موسكو حتّى الأمس القريب على أيّ ردٍّ حازمٍ، الأمر الذي دفع المدير السابق لدائرة التعاون الدوليّ في وزارة الدفاع الروسيّة الفريق أوّل ليونيد إيفاشوف، حسب ما أشرنا إليه في وقتٍ سابقٍ من الأسبوع الحاليّ، إلى الإعراب عن أسفه بسبب “وجودِ خونةٍ في القيادة الروسيّة يمتثلون لأوامر تلّ أبيب وليس لأوامر الرئيس فلاديمير بوتين”، على حدّ قوله.
التسريبات المشبوهة
وسط هذه التطوُّرات المتسارعة إذن، وبينما تتواصل في هذه الأثناء أعمال البحث عن طائرة الـ “إيل 20” المنكوبة من أجل انتشال حطامها وجثث أفراد طاقمها المؤلَّف من خمسة عشر عسكريًّا في مكان سقوطها على بُعد سبعةٍ وعشرين كيلومترًا على جهة الغرب من ميناء بانياس السوريّ، فإنّ أكثر ما يبدو لافتًا في الموازاة، سواءٌ من حيث الغموض الذي لا يزال يكتنف الحادثة نفسها أم من حيث تداعياتها المرتقَبة على مقياسِ خطورةٍ بالغِ الارتفاع جرّاء الأنباء الآنفة الذكر بخصوص وضع عمليّة توريد الـ “إس 300” على سكّة التنفيذ، يتمثَّل في انتعاش ورواج أسواقِ الديباجات والتسريبات المشبوهة التي تبدو في مجملها وكأنّها تستهدف صبّ الزيت على نار العلاقات المشتعلة أصلًا في الوقت الراهن ما بين الروس وما بين الإسرائيليّين، ولا سيّما بعدما بات في حكم المؤكَّد أنّ الإقبال على المضاربة في هذه الأسواق وصل إلى مرحلةٍ متقدِّمةٍ جدًّا من الخبث والمكر والخداع.
وبحسب ما نشره الإعلاميّ العريق سلام مسافر البارحة على صفحته الخاصّة على موقع “فيسبوك” في سياق جهوده الحثيثة للتحذير من مخاطر تلك التسريبات تحت عنوان “يهرفون بما لا يعرفون”، فإنّ ثمّة مقالاتٍ تنتشر من دون توقيع أصحابها وتزعم بأنّ “روسيا هدَّدت بضرب إسرائيل بالسلاح النووي”، والأغرب من ذلك هو أنّ تلك المقالات تَنسبُ تصريحاتٍ لمسؤولين لم يُنزِل بهم لا الله ولا الكرملين من سلطان، وذلك نظرًا لأنّ أسماء أولئك المسؤولين الروس الذين يتمّ التسويق للتسريبات على أساس أنّهم يتحدّثون إلى وسائل الإعلام المزعومة ليست صحيحةً، كأنْ يُصبح الاسم الأوّل لوزير الدفاع (إيغور) وليس سيرغي، أو كأنْ يُشار إلى أنّ (الجنرال كوسولوف قائد سلاح الصواريخ العابرة للقارّات) أدلى بتصريحٍ على رغم عدم وجود أيِّ جنرالٍ يحمل هذا الاسم الغريب ولا أيِّ وحدةٍ عسكريّةٍ تحت مسمّى “سلاح الصواريخ العابرة للقارّات” في روسيا، الأمر الذي ينطبق أيضًا على تصريحاتٍ لمسؤولين إسرائيليّين يُقال في المقالات عينها إنّ قنواتٍ تلفزيونيّةً تتناقلها على رغم عدم وجود تلك القنوات في باقة آلاف المحطّات العالميّة التي توفِّرها الصحون الفضائيّة اللاقطة لكلّ ما هو متوفِّر عبر الأثير.
وإذا كان شرّ البليّة ما يُضحِك، فإنّ المضحك المبكي هنا يتمثَّل في أنّ عددًا من المثقّفين والمطّلعين والمتابعين، ممّن لا يشكّ الزميل سلام مسافر في فطنتهم، يواظبون حاليًّا على الترويج لهذه الديباجات والتسريبات المشبوهة، “ربّما من باب نشر النكات”، على حدّ تعبيره… وممّا لا شكّ فيه أنّ سلام على حقٍّ كاملٍ في القيام بالتحذير من مخاطر ما يُدسّ دسًّا مريبًا في وسائل الإعلام أو عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ من معلوماتٍ ملفَّقةٍ حول الحالة الروسيّة – الإسرائيليّة الراهنة، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار البديهيّة القائلة بأنّ الحروب غالبًا ما تبدأ في عقول الناس قبل أن تستعر على جبهات القتال… والخير دائمًا من وراء القصد.