واشنطن بوست: سوريا مهددة بالتفكك… تصاعد المخاوف في أوساط الأقليات يضع مستقبل الدولة المركزية على المحك
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن سوريا تواجه خطر التفكك، في ظل تصاعد التوترات الطائفية والعرقية، وتصاعد دعوات الحكم الذاتي في مناطق الأقليات، وسط استمرار أعمال العنف والانقسامات السياسية بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد.
وأضافت الصحيفة أن التحولات السياسية التي شهدتها البلاد عقب تولي الرئيس الجديد أحمد الشرع زمام الحكم، لم تُفضِ إلى الاستقرار المنشود، بل أسهمت في تعميق الاستقطاب، خاصة في مناطق الأقليات التي باتت ترى في الحكومة الجديدة تهديدًا مباشرًا لهويتها ووجودها.
عرنة… بلدة درزية تخشى الخارج وتتوّجس من الداخل
من بلدة عرنة الواقعة عند سفوح جبل الشيخ، ترسم الصحيفة صورة قاتمة عن شعور الدروز في سوريا، حيث يعيش السكان في حالة من الخوف والحذر الشديد، ممتنعين عن مغادرة البلدة خشية التعرض للعنف أو التمييز، فيما تبقى القوات الحكومية على مسافة من البلدة عند نقطة تفتيش في بلدة مجاورة.
وترى الصحيفة أن المشهد في عرنة يعكس حالة أوسع من الاغتراب المتنامي بين الأقليات الدينية، مثل الدروز والعلويين والأكراد، وبين الحكومة الجديدة ذات التوجه الإسلامي السني، والتي تحاول إعادة بناء الدولة السورية على أسس مركزية.
من خطاب التوحيد إلى واقع التفكك
وبحسب واشنطن بوست، فإن الرئيس الشرع، الذي تولّى السلطة بعد سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول، كان قد تعهد ببناء دولة موحدة وقوية عاصمتها دمشق، تركز على “التنمية والإعمار ووحدة الأراضي السورية”. وقد حصلت هذه الرؤية على دعم خارجي، لا سيما من دول الخليج العربي التي وعدت بالمساعدة الاقتصادية والسياسية.
لكن الصحيفة تشير إلى أن الواقع الميداني والسياسي يزداد تعقيدًا، مع تصاعد أعمال العنف في مناطق متفرقة، وارتفاع مطالب الأقليات بالحكم الذاتي أو اللامركزية. وتؤكد أن خطط الشرع لإعادة تأسيس سلطة مركزية يواجهها رفض متصاعد من أطياف واسعة داخل المجتمع السوري.
نزعة الاستقلال في مناطق الأقليات
وترصد الصحيفة مطالب الحكم الذاتي المتنامية في مناطق مثل:
-
السويداء ذات الغالبية الدرزية، حيث قُتل أكثر من 1000 شخص الشهر الماضي في أحداث عنف دموية شارك فيها مقاتلون موالون للحكومة.
-
المناطق العلوية على الساحل السوري، التي شهدت مذبحة مروعة في مارس/آذار، وراح ضحيتها أكثر من 1400 شخص.
-
شمال شرق سوريا، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تطالب بقدر من الاستقلال الذاتي في إدارة مناطقها.
وقالت الصحيفة إن هذه التحركات تثير قلقًا كبيرًا لدى القيادة الجديدة، التي تسعى للسيطرة الكاملة على البلاد، لكنها في المقابل تفشل في كسب ثقة الأقليات، لا سيما بسبب التاريخ الجهادي للرئيس الشرع وعناصر حكومته، وبعضهم كانوا على صلة بتنظيمات متشددة في فترات سابقة.
اتهامات متبادلة… وتدخلات خارجية
وأضافت الصحيفة أن الحكومة السورية الجديدة تلقي باللوم على فلول نظام الأسد، وعلى إسرائيل، التي اتُهمت بتغذية التوترات الطائفية، خاصة في السويداء، من خلال غارات جوية وتواصل غير معلن مع الدروز.
وفي المقابل، عبّر مسؤولون محليون، مثل ضياء خيربيك، رئيس بلدية جبلة، عن قلق متبادل من انعدام الثقة بين الأهالي والقوات الحكومية، مشيرًا إلى استمرار الحصار والعنف وانعدام الشفافية بشأن محاسبة المسؤولين عن الجرائم الطائفية الأخيرة.
السويداء تحت الحصار
ذكّرت واشنطن بوست بمأساة السويداء، حيث ما زالت المدينة الدرزية الجنوبية معزولة عن العالم الخارجي منذ أسابيع، يعاني سكانها من نقص الغذاء والماء، وسط مظاهرات تطالب بالحماية الدولية وحق تقرير المصير.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التطورات دفعت حتى بعض حلفاء الشرع، مثل توماس باراك، المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا، إلى الدعوة لبدائل محتملة للدولة المركزية. وقال باراك:”ربما لا تكون دولة اتحادية، لكن شيئًا شبيهًا بها، يسمح بالحفاظ على الوحدة دون فرض أيديولوجيات دينية مهيمنة”.
قوات سوريا الديمقراطية… شريك صعب في الشمال
وفي الشمال الشرقي، تسلط الصحيفة الضوء على التوتر المتصاعد بين الحكومة وقسد، بعد اتفاق لم يُنفّذ يقضي بدمج مؤسساتها في الدولة السورية. وتعرقل هذا الاتفاق خلافات جوهرية حول استقلالية الإدارة الذاتية، وسط استمرار اشتباكات متفرقة مع الميليشيات المدعومة من تركيا.
وأثار مؤتمر للأقليات رعته قسد في مدينة الحسكة، غضب الحكومة المركزية، خاصة بعد مطالبته بدولة لا مركزية، ما دفع وزير الخارجية السوري إلى وصفه بأنه “لا يمثل الشعب السوري”، واتهم المشاركين بـ”استغلال أحداث السويداء”.
العلويون… من موقع السلطة إلى الهامش
وقالت واشنطن بوست إن العلويين، الذين كانوا تاريخيًا في مركز النفوذ خلال عهد الأسد، باتوا يشعرون بالعزلة والغضب بعد المجازر التي وقعت في الساحل السوري، حيث استهدفت القوات الحكومية نفسها مدنيين علويين. وقد زادت هذه الحوادث من المطالب بتمثيل أكبر للسكان المحليين في قوات الأمن ومؤسسات الدولة.
رئيس بلدية الرميلي، خيربيك، حذّر من مخاطر التهميش، قائلاً:”تقسيم سوريا ليس الحل. نحن بحاجة لبعضنا البعض. الحسكة تمدّنا بالقمح، ونحن نمدها بالسمك. لا يمكن أن تنجو منطقة وحدها”.
“كلنا سوريون”… ولكن إلى متى؟
وفي عرنة، يواصل السكان الدروز التمسك بانتمائهم الوطني، على الرغم من شعورهم المتنامي بالإقصاء. تقول الطالبة ريم أبو قيس:”كلنا سوريون. الاتهامات التي توجه لنا بمحاولة التقسيم ليست سوى تضليل إعلامي”.
لكن خلف هذا التماسك الظاهري، بحسب الصحيفة، هناك مخاوف حقيقية بشأن التمييز والمضايقات في نقاط التفتيش، والحرمان من الحقوق في مؤسسات التعليم والصحة.
وقال أحد السكان:”نحن قلقون. هذه المرحلة أسوأ مما كنا عليه في زمن الأسد”.
ترى الصحيفة أن سوريا تقف عند مفترق طرق. فالرئيس الشرع يسعى لبناء دولة مركزية قوية، لكن مخاوف الأقليات العميقة، إلى جانب سجل حكومته الدموي، تهدد بانزلاق البلاد نحو التمزق، إن لم تُفتح قنوات حقيقية للحوار الوطني وتُتّخذ إجراءات ملموسة لبناء الثقة.