نيويورك تايمز: مجاعة في غزة… وصمت في واشنطن.. كيف تواطأت إدارة ترامب مع إسرائيل في أخطر كارثة إنسانية بالمنطقة
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير موسع إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التزمت الصمت إلى حد كبير بعد صدور تقرير دولي يؤكد وجود مجاعة في أجزاء من قطاع غزة، في الوقت الذي أظهرت فيه إسرائيل تحدياً واضحاً للانتقادات الدولية، وواصلت هجومها العسكري وسياساتها التي تُتهم بأنها تقف وراء هذه الكارثة الإنسانية.
وأضافت الصحيفة أن التقرير، الذي أعدّته “لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” المدعومة من الأمم المتحدة، أثار موجة غضب واسعة في أوساط عدد من الحلفاء الغربيين، خصوصاً في أوروبا، لكنه لم يُقابل بأي رد رسمي من واشنطن، رغم أن الولايات المتحدة تُعدّ الحليف الأكبر والداعم السياسي والعسكري الرئيسي لإسرائيل.
وأشارت الصحيفة إلى أن السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، علّق على التقرير بأسلوب هجومي، مكرراً مواقف الحكومة الإسرائيلية، وكتب في منشور على منصة “X”:”لقد دخلت أطنان من الطعام إلى غزة، لكن متوحشي حماس سرقوها وأكلوها حتى أصبحوا بدناء”، متّهماً الحركة بالمسؤولية الكاملة عن الجوع في القطاع.
دعم غير مشروط وسط تجاهل متعمد
وكتبت نيويورك تايمز أن هذا الصمت الأمريكي يُفسَّر، وفقاً لمحللين، بأنه استمرار لنهج إدارة ترامب في تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل، حتى مع تصاعد الانتقادات الدولية حول المجاعة والانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين.
ويرى آرون ديفيد ميلر، وهو دبلوماسي أمريكي سابق شارك في مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين في التسعينيات، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يشعر بثقة كبيرة لأن “ترامب لن يفرض عليه أي تبعات حقيقية، ولن يضغط عليه لتغيير سياساته”.
مجاعة مؤكدة وتحذيرات قاتمة
وقالت الصحيفة إن لجنة الأمن الغذائي الدولية حذّرت في تقريرها، الصادر يوم الجمعة، من أن مدينة غزة والمناطق المحيطة بها دخلت مرحلة المجاعة رسمياً، متوقعةً أن تشمل الكارثة باقي مناطق القطاع، بما في ذلك الوسط والجنوب، مع حلول شهر سبتمبر/أيلول، ما لم يتم التدخل فوراً.
وحمّلت اللجنة مسؤولية تدهور الأوضاع إلى عوامل عدة، أبرزها القيود الإسرائيلية الصارمة على دخول المساعدات الإنسانية، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل خطوط الإمداد.
ورغم هذه التحذيرات، نفت الحكومة الإسرائيلية وجود نية لتجويع المدنيين في غزة، وأقرّ نتنياهو بوجود “نقص مؤقت”، قائلاً إنه تم التعامل معه سريعاً، في حين واصلت إسرائيل والولايات المتحدة تنفيذ مبادرة مشتركة لتوزيع المساعدات، يشرف عليها متعاقدون أمنيون أمريكيون، وسط انتقادات واسعة، خاصة بعد مقتل مئات الفلسطينيين أثناء محاولتهم الوصول إلى مواقع التوزيع.
موقف أوروبي صارم… وصمت أمريكي مستمر
وأبرزت الصحيفة موقف الدول الأوروبية التي سارعت إلى إدانة الوضع. فقد قال وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي:”إن رفض الحكومة الإسرائيلية السماح بدخول مساعدات كافية تسبب في هذه الكارثة. إنها فضيحة أخلاقية”.
في المقابل، لم تُصدر إدارة ترامب أي تعليق رسمي، وبدت مشغولة بملفات أخرى، في مقدمتها الحرب بين روسيا وأوكرانيا، التي أشار التقرير إلى أن ترامب يركّز عليها الآن أكثر من أي وقت مضى، رغم استمرار الجهود الأمريكية للتوسط في وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل.
تجاهل التحذيرات وتوسيع العمليات
وأضافت نيويورك تايمز أن إسرائيل تمضي قُدماً في خططها لتوسيع العمليات العسكرية في مدينة غزة، في ما وصفه نتنياهو بأنه المرحلة الحاسمة لتصفية حركة حماس. ورغم التحذيرات من تداعيات هذه العملية على المدنيين والرهائن المحتجزين، أعلن ترامب دعمه الكامل للخطوة، وكتب على منصته الاجتماعية:”لن يعود الرهائن إلا بعد القضاء على حماس! كلما أسرعنا، زادت فرص النجاح”.
مشروع استيطاني مثير للجدل وسط صمت أمريكي آخر
وأشارت الصحيفة إلى أن الحكومة الإسرائيلية وافقت هذا الأسبوع على تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني في الضفة الغربية، وهو المشروع الذي ظلّ مجمداً لمدة عشرين عاماً تحت ضغط الإدارات الأمريكية السابقة. المشروع يشمل بناء نحو 3400 وحدة سكنية استيطانية في منطقة استراتيجية ستفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، مما يُعقّد إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً في المستقبل.
ورغم الإدانة الدولية الواسعة للمشروع، التي شملت فرنسا وبريطانيا وأستراليا وأكثر من 12 دولة أخرى، فإن البيت الأبيض التزم الصمت مجددًا. واكتفى السفير هاكابي بتصريح إذاعي قال فيه إن هذه “مسألة إسرائيلية داخلية بحتة”.
ترى الصحيفة أن إدارة ترامب، عبر صمتها أو دعمها العلني، تمنح إسرائيل غطاءً سياسياً كاملاً للاستمرار في سياساتها العسكرية والإنسانية المثيرة للجدل في غزة والضفة الغربية.
وتؤكد أن غياب الضغط الأمريكي يجعل من المستبعد حدوث أي تغييرات استراتيجية في الحرب الدائرة منذ ما يقرب من عامين، بينما تستمر معاناة المدنيين الفلسطينيين، وتتفاقم الانتقادات الدولية للعجز السياسي والأخلاقي في التعامل مع الأزمة.