نيويورك تايمز: هكذا دفن نظام الأسد ضحاياه في خنادق جماعية بصمت مروّع
من سعيد سلامة
لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية إن نظام الرئيس السوري بشار الأسد دفن الآلاف من ضحاياه في خنادق جماعية، ضمن ممارسات ممنهجة استمرت على مدى سنوات، بهدف إخفاء آثار القتل الجماعي خلال الحرب الأهلية التي استمرت لأكثر من 13 عامًا.
وأضافت الصحيفة أن واحدة من أبرز مواقع هذه الجرائم تقع في مقبرة نجها، الواقعة على بعد نحو خمسة أميال جنوبي العاصمة دمشق، والتي تحولت، بحسب تحقيق أجرته الصحيفة، من مقبرة مدنية متواضعة إلى واحدة من أكبر المقابر الجماعية السرية في البلاد.
وبحسب “نيويورك تايمز”، فقد استخدم النظام هذه المقبرة منذ بدايات قمعه للحراك الشعبي عام 2011 لدفن آلاف الجثث القادمة من سجون التعذيب، والمعتقلات السرية، والمستشفيات العسكرية، مثل صيدنايا، وحرستا، وتشرين. وتنوّعت الضحايا بين معارضين سلميين، وناشطين، وصحفيين، ومعتقلين تعرّضوا للتعذيب حتى الموت، بل وحتى من الموالين الذين تخلوا عن دعمهم للنظام.
صور جوية وشهادات مروّعة
وكشفت الصحيفة، استنادًا إلى صور أقمار صناعية وعمليات تصوير ثلاثية الأبعاد أجراها فريقها الميداني في سوريا، أن الخنادق الجماعية في نجها حفرت بشكل منظم وعلى مراحل زمنية، بدأ أولها في عام 2011، عندما استغل النظام القبور الفارغة لدفن جثث متعددة في كل قبر، في محاولة لإبقاء العمليات طي الكتمان.
وقال محمد عفيف نايفة، موظف سابق في مكتب المشرحة المحلي، للصحيفة إنه شاهد بنفسه ضباط المخابرات يلقون ما بين ست إلى سبع جثث في قبر واحد، وإن الجثث المتحللة كانت أحيانًا تنزلق من الشاحنات لشدة عددها. وأضاف: “كانت بعض الجثث تحمل آثار تعذيب واضحة، وتبدو كما لو أنها قُتلت للتو.”
وأكدت الصحيفة أن صورا التُقطت بالأقمار الصناعية أواخر عام 2011 أظهرت بوضوح تغيّرات في سطح الأرض، وآثار اضطرابات في التربة، ومركبات ضخمة يُعتقد أنها كانت تنقل الجثث.
توسّع الدفن الجماعي مع تصاعد القتل
وتابعت “نيويورك تايمز” أنه مع تصاعد وتيرة القتل في 2012، بدأت المخابرات السورية بإجبار عمّال من بلدية دمشق على حفر حفر عميقة، تُستخدم لاحقًا لدفن الجثث بشكل جماعي. وقال راغب مهزة، أحد هؤلاء العمال، إنهم كانوا يُرغمون على استخدام جرافات لملء الحفر بمئات الجثث القادمة من المستشفيات العسكرية في شاحنات مبردة، تُستخدم عادة لنقل المواد الغذائية.
ونقلت الصحيفة عن شاهد آخر، يُدعى يوسف عبيد، قوله إن الضباط كانوا يُشرفون على عمليات الدفن شخصيًا، ويهددون من يرفض التعاون بالإعدام. وأكد أن أحد الضباط قال لسائق جرافة ذات مرة: “ادفع الجثث إلى الأسفل، وإلا وضعتك بينهم.”
السكان المحليون عاشوا تحت التهديد والخوف
وقالت الصحيفة إن الخوف والرعب كانا يسيطران على سكان المناطق المجاورة لمقبرة نجها. وذكرت أن سكانًا محليين، مثل فلاح الزعل، الذي فقد أكثر من 12 فردًا من أسرته، ظلوا صامتين طوال سنوات خوفًا من الانتقام. وقال الزعل للصحيفة: “الخوف من الموت كان أقوى من قدرتنا على الكلام.”
فيما قال أيمن محمد خليل، حارس يعمل في القسم المدني من المقبرة: “رأيت آثار تراب مقلوب صباحًا، كنت أعلم أن هناك دفنًا جرى ليلًا، لكن لم يكن بإمكاننا الاقتراب. كانوا سيأخذوننا معهم.”
خنادق أكثر عمقًا واتساعًا في سنوات لاحقة
وذكرت “نيويورك تايمز” أن نشاط المقابر الجماعية تراجع مؤقتًا في عام 2013، مع تقدم الفصائل المعارضة في محيط دمشق، ليتحوّل النظام حينها إلى استخدام مواقع أخرى مثل مقبرة القطيفة شمال العاصمة.
لكن، وبحسب تحليل الصحيفة للصور الجوية، فإن خنادق ضخمة بدأت بالظهور مجددًا في نجها بدءًا من عام 2018. وتم تحديد خندق بطول 150 قدمًا أواخر ذلك العام، تبعته خنادق أطول، وصل بعضها إلى 300 قدم بحلول 2019. وتكرر هذا النمط بشكل مستمر حتى عام 2024، قبل أشهر من سقوط النظام.
وقال يونس عدنان، مزارع يعيش بجوار المقبرة: “منذ عام 2011 وحتى 2024، كنا نرى الحفارات والشاحنات تصل، ونعرف أن هناك شيئًا رهيبًا يحدث. لكننا لم نجرؤ على الاقتراب.”
اعتراف متأخر وتحديات قادمة
وأشارت الصحيفة إلى أن عدد الجثث المدفونة في نجها لا يزال غير معروف بدقة، وأن أعمال الحفر والتوثيق من قبل منظمات مثل الخوذ البيضاء تواجه تحديات هائلة. ووفقًا لتقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن نحو 160 ألف معتقل في سجون النظام ما زالوا في عداد المفقودين، ما يرجح أن تكون أعداد القتلى في المقابر الجماعية ضخمة للغاية.
وقالت كاثرين بومبرغر، مديرة اللجنة الدولية للمفقودين، للصحيفة: “المقابر الجماعية التي رأيناها في سوريا حتى الآن هي الأكبر مما واجهناه في أي مكان آخر.”
