
في لحظة سياسية وأمنية مشحونة، وبينما يعيش لبنان على حافة انهيار شامل، تعود فجأة إلى الواجهة قضية قديمة-جديدة: “نزع السلاح من المخيمات الفلسطينية”. ورغم أن الملف ليس طارئاً، فإن الزخم الرسمي المفاجئ الذي رافقه – من قبل السلطة اللبنانية كما السلطة الفلسطينية – يطرح تساؤلات حول التوقيت والغاية.
المفارقة أن أحداً لم يشرح للبنانيين أو الفلسطينيين لماذا هذا الإصرار المفاجئ، وما الذي تغيّر ليعاد فتح هذا الجرح من جديد. لكن في المقابل، فإن الجميع يعرف تمامًا أن هذه الحملة ليست بريئة، وأنها جزء من مشروع أكبر، تقف خلفه واشنطن وتل أبيب وبعض العواصم الخليجية، تحت عنوان: “إنهاء أي تهديد فلسطيني محتمل لإسرائيل، أينما وُجد”.
ما تقدّمه السلطة الفلسطينية، وتحديدًا رئيسها محمود عباس، في هذا السياق ليس أكثر من خدمة مجانية للاحتلال، إذ لا يخفي عباس عداءه لأي عمل مقاوم، مسلح كان أو شعبي، داخل فلسطين أو خارجها. لذلك، فإن انخراطه في مشروع نزع السلاح في لبنان لا يمكن فصله عن رؤيته للسلام بوصفه عملية أمنية تبدأ بإخضاع الفلسطينيين و”ترويضهم” قبل أي حوار سياسي.
زيارة عباس الأخيرة إلى بيروت كانت أشبه بجولة تسويق لمشروع خطير، استُبعد عنه حتى المقربون منه في لبنان، وعلى رأسهم السفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور ومسؤول حركة فتح في لبنان فتحي أبو العردات.
واللافت أن التنسيق تم مباشرة مع رئيس الحكومة نواف سلام، متجاوزاً كل الأطر الرسمية المعتادة، وهو ما أثار امتعاضًا من جهات أمنية وسياسية لبنانية. بعض هذه الجهات وجّه تحذيراً مبكراً: لا قدرة للجيش اللبناني أو الدولة على تنفيذ اقتحام المخيمات بالقوة دون أن يُستدرج لبنان إلى نهر بارد جديد.
الرئيس نواف سلام بدا وكأنه يسير في المشروع بعينين مغمضتين، مستندًا إلى وعود غير قابلة للتحقيق من عباس، وغافلاً عن خريطة النفوذ داخل المخيمات. أما قائد الجيش اللبناني جوزيف عون، فكان أكثر حذرًا، مؤكداً أن الجيش لا يرغب بالدخول في مواجهة قد تجرّ البلد إلى صدام دموي، في وقتٍ لا تحتمل فيه البلاد مزيدًا من الفوضى.
وعليه، فإن مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية تعرف تماماً أن ما يُطلب منها يتجاوز قدراتها، ويتجاهل واقع المخيمات، حيث لا تملك سلطة رام الله أي نفوذ فعلي، فيما القوة الميدانية تتركّز بين فصائل المقاومة الفلسطينية، والمجموعات الإسلامية المتشددة، وبعض العصابات المتورطة في الجريمة المنظمة.
لا يختلف أبناء المخيمات أنفسهم على أن “سلاح الزعران” مصدر معاناة حقيقية لهم وللجميع، وأنهم أول من يرغب في إنهاء الفوضى الأمنية، لا سيما في شاتيلا وبرج البراجنة وعين الحلوة. لكنهم يعلمون أيضًا أن المشروع المطروح لا يهدف لمعالجة هذا السلاح، بل لتجريدهم من أي قدرة على الدفاع الذاتي، في الوقت الذي لم تنصفهم فيه الدولة اللبنانية لا بحقوق مدنية، ولا بوضع إنساني يليق بهم.
ولعلّ السؤال الأبرز اليوم هو: لماذا يُراد نزع السلاح الآن، وليس قبل سنوات؟
الإجابة تكمن في تغيّر العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد عملية “طوفان الأقصى”، التي دفعت تل أبيب لإعادة تعريف دوائر الخطر، بحيث لا تترك أي ساحة فلسطينية أو عربية خارج دوائر النزع الأمني. من هنا، يصبح سلاح المخيمات، حتى إن كان رمزياً، هدفاً في إطار مشروع استباقي طويل الأمد.
مشروع نزع السلاح، بهذا الشكل، ليس سوى مقدّمة لفرض توطين ناعم، عبر جعل الفلسطينيين “مدنيين بلا قضايا” تحت سقف الأمن اللبناني. ويكفي النظر إلى ما يُطرح من بعض الجهات الغربية والخليجية حول “دمج الفلسطينيين في المجتمعات المضيفة”، لنعرف أن الهدف ليس العدالة، بل إنهاء حق العودة.
وبينما تُرسم الخطط خلف الكواليس، تتقدم بعض الفصائل الفلسطينية خطوة أكثر حكمة، بطرح تشكيل لجان أمنية مشتركة في المخيمات لمعالجة الملفات الجنائية والمطلوبين، ضمن تنسيق مع الدولة اللبنانية، دون الاصطدام بالمجتمع الفلسطيني أو التورط في معركة خاسرة.