مجلة فورن أفيرز: إسرائيل تسلّمت زمام المبادرة في الشرق الأوسط… ولا تنوي التراجع
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ في تقرير استراتيجي نشرته مجلة فورن افيرز في سبتمبر 2025 قالت إن أحداث 7 أكتوبر 2023 قد مثلت لحظة فاصلة في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، فقد وضعت تل أبيب أمام واقع مفاده أن النهج الذي يعوّل على الاحتواء والاستجابة الجزئية لم يعد كافياً لحماية الدولة من الهجمات التي تنطلق من حدودها أو من الخارج. وأظهرت المجلة أن الهجوم الوحشي الذي أسفر عن مقتل نحو 1,200 شخص واحتجاز مئات آخرين جعل قادة إسرائيل يدركون أن عليهم التغيير الشامل: لم يعد الهدف إضعاف الخصوم، بل هزيمتهم، لم يعد الصبر على وجود جماعات مثل حماس على الحدود ممكناً إن أرادت إسرائيل البقاء.
في العامين اللاحقين، تبنّت القيادة التنفيذية استراتيجيات أمنية جديدة أكثر عدوانية واستباقية، انتقلت إسرائيل عن نمط العمليات المحدودة أو المُكتفية بتأمين الردع، نحو استخدام القوة العسكرية بشكل موجه وبمسؤوليات أوسع. فقد وسّعت إسرائيل نشاطها في ميادين لم تكن دائمًا واضحة في الاستراتيجية السابقة: تفعيل الحرب البرية في غزة، تنفيذ عمليات اغتيال لمسؤولين إيرانيين ونواب في نظام إيران، استهداف القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، شن ضربات في لبنان للحدّ من تسليح حزب الله، وتوغّل عسكري محدود في سوريا دعمًا للطائفة الدرزية في سياساتها ضد نظام دمشق، كما نفّذت غارات جوية ضد قيادات حماس السياسية في قطر.
وما لا يقل أهمية، أن هذه العمليات لا تجري في الخفاء كما كان الحال سابقًا، بل باتت إسرائيل تعرضها وتتبنّاها علنًا، معتبرة أن الحصانة لم تعد متاحة لقادة جماعات معادية مهما كانت مناصبهم أو مكان تواجدهم إذا كانوا معنيين بأنشطة يُعتبر أنها تشكّل تهديدًا أمنياً.
ولم تغتنم في هذه الاستراتيجية الجديدة فقط القدرة العسكرية، بل أيضاً الفرصة الاستراتيجية لتشكيل النظام الإقليمي بالطريقة التي تراها تلاؤمًا مع مصالحها: الحفاظ على أراضيها، حماية حلفائها، ترسيخ رؤيتها الأمنية، ومنع أي عدو محتمل من تطوير قدرات قد تهدّد وجودها. وعلى الرغم من المعارضة من بعض الأوساط الأمنية والسياسية التقليدية داخل إسرائيل، إلا أن الاستراتيجية الجديدة تتجذّر بالفعل.
واشتركت إسرائيل في هذه المنظومة الاستراتيجية مع أطراف دولية على مستوى المصالح المشتركة: إما عبر الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على إيران، مثل مقترحات لمنع تخصيب اليورانيوم أو التحكم بدورة الوقود النووي، أو عبر منع إنتاج الصواريخ الباليستية الدقيقة، وتقييد نقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة، واستعادة العقوبات؛ وإما عبر إبرام تحالفات أمنية جديدة توازن النفوذ الإيراني في المنطقة.
وترى المجلة أن الاختبار الأكبر لهذه الاستراتيجية سيكون في غزة، حيث إن إسرائيل ملتزمة بتحقيق انتصار ملموس على حماس يُفضي إلى نتائج على الأرض، حتى إذا كان ذلك مكلفًا إنسانيًا وسياسيًا. كما أن النجاح في هذه الحرب سيُستخدم كمقياس لقدرة إسرائيل على حماية نفسها، وضمان أن تكون شريكًا حضوريًا مؤثرًا في المعادلات الإقليمية.
وفي الختام، اعتبرت Foreign Affairs أن إسرائيل قد انتقلت من سياسة الردع والتحفظ إلى سياسة التحرك الاستباقي والمواجهة، وأنها اليوم مستعدة لوضع أهداف أمنية أكثر طموحًا — حتى إن تطلّب الأمر حربًا متعددة الجبهات أو صراعًا طويل الأمد — الأمر الذي سيعيد تشكيل صورتها الإقليمية، وضغط النفوذ، وربما تحوّل ميزان القوى في الشرق الأوسط إن نجحت هذه الاستراتيجية.