ظهور جماعة مسلحة معارضة لحماس في غزة بقيادة الأسطل وبدعم تل ابيب ودول عربية واوروبية يثير تساؤلات حول الدور الإسرائيلي ومصير القطاع
من سعيد العامودي

غزة ـ يورابيا ـ من سعيد العامودي ـ أعلنت جماعة مسلحة جديدة تُطلق على نفسها اسم “قوة مكافحة الإرهاب الضاربة” عن تشكيلها في قطاع غزة، مثيرةً جدلاً واسعاً حول أهدافها، مصادر تمويلها، وعلاقاتها الإقليمية، في وقت يتزايد فيه الحديث عن دعم إسرائيلي لميليشيات مناهضة لحركة حماس داخل القطاع المحاصر.
الجماعة، التي تُعد من بين عدد محدود من المجموعات المسلحة التي تعارض حكم حماس، نشرت بياناً على صفحتها على “فيسبوك” في 21 أغسطس/آب، جاء فيه:
“رداً على الظروف الكارثية التي يعيشها شعبنا في قطاع غزة، وفي ظل استمرار القمع والإرهاب الذي تمارسه حركة حماس، فإننا نعلن عن تشكيل قوة مكافحة الإرهاب الضاربة”.
وأضاف البيان أن أهداف الجماعة تشمل إزالة حماس من السلطة، حماية المدنيين، وتحقيق الاستقرار في غزة، معتبرةً ذلك “خطوة أولى نحو استعادة الكرامة للشعب الفلسطيني وبناء مستقبل حر وعادل”.
كما أكدت الجماعة أنها تعمل “ضمن إطار وطني منسق مع الجهات الفلسطينية الشرعية”، وأعلنت التزامها باحترام القانون الإنساني الدولي، مشيرة إلى أنها تحصل على تمويل من رجال أعمال فلسطينيين محليين ودوليين.
اتهامات بالعمالة وتعقيد المشهد الأمني
في 17 سبتمبر/أيلول، نشرت قناة “أمسك المتعاون”، وهي قناة تابعة لوحدة “السهم” الأمنية التابعة لحركة حماس، تحذيراً صريحاً ضد الجماعة الجديدة، مشيرة إلى أن قائدها حسام الأسطل على صلة بجهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية، وزاعمة علاقاته بجهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد”.
وقالت القناة أيضاً أن الأسطل شريك لياسر أبو شباب، قائد ميليشيا مسلحة أخرى تُعرف باسم “القوات الشعبية”، وهي جماعة مناهضة لحماس تنشط في القطاع. وبالرغم من أن هذه الاتهامات تهدف إلى نزع الشرعية، إلا أن مراقبين يرون أنها قد تُضفي، بشكل غير مباشر، مصداقية سياسية وأمنية على الجماعة الجديدة بوصفها تمثل تحدياً حقيقياً لحكم حماس.
تقرير إسرائيلي يكشف عن دعم مباشر من الجيش والشاباك
بالتزامن مع ذلك، نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية اليومية، في اليوم ذاته (17 سبتمبر/أيلول)، تقريراً للصحفي يانيف كوبوفيتش كشف فيه أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) يدعمان بعض الميليشيات الناشطة داخل قطاع غزة.
وبحسب التقرير، فإن هذه الجماعات المسلحة تتلقى رواتب مقابل تنفيذ عمليات عسكرية، وتُمنح سيطرة جزئية على أراضٍ محددة في القطاع. كما أشار إلى أن هذه الميليشيات تنتشر في مناطق “حساسة” أمنياً داخل غزة، وتشارك في “أنشطة قتالية واسعة النطاق”.
أعلن حسام الأسطل، وهو عضو سابق في الأجهزة الأمنية، التابعة للسلطة الفلسطينية، تشكيل مجموعة مسلّحة تعمل ضد حركة «حماس» في خان يونس، بجنوب قطاع غزة، داعياً سكان خان يونس للانتقال إلى المناطق التي يسيطر عليها لتقديم الطعام والمياه والمأوى لهم.
وقال الأسطل، لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، إن مجموعته ستستقبل كل من يعيش تحت نار «حماس»، وأن لديه ما يكفي من طعام وماء ومأوى للجميع، مشيراً إلى أنه سيعمل، في الأيام المقبلة، على استقبال نحو 400 فلسطيني، بعد التأكد من هويتهم الأمنية.
وأشار إلى أن مجموعته المسلَّحة توجد في منطقة قيزان النجار، جنوب شرقي خان يونس، التي جرى إخلاؤها بشكل كامل من السكان، خلال هذه الحرب، كما هي حال بلدات ومناطق مختلفة من القطاع، حيث تقع على بُعد نحو 2 كيلو ونصف الكيلومتر من منطقة المواصي المكتظة.
وعَدَّ أن هذه المنطقة الإنسانية الجديدة هو المسؤول عنها، كما هي حال ياسر أبو شباب، المسؤول عن مناطق شرق رفح وأجزاء من شرق خان يونس، مؤكداً أنه على اتصال مع أبو شباب، لكنه يعمل بشكل مستقل.
وأشار، في حديثه للصحيفة الإسرائيلية، إلى أنه عمل لسنوات عدة في إسرائيل، ثم عمل لاحقاً مع قوات الأمن، التابعة للسلطة الفلسطينية، عندما كانت لا تزال تسيطر على غزة.
وتحدَّث عن تنسيق بين مجموعته وإسرائيل. وقال: «قريباً سنعتمد على إسرائيل لتزويدنا بالكهرباء والماء»، مشيراً إلى أنه يتلقى دعماً من مصادر عدة؛ منها الولايات المتحدة وأوروبا ودول عربية لم يحددها، مضيفاً: «الناس هنا لا يريدون (حماس)، بل يريدون السلام مع إسرائيل… عمري 50 عاماً؛ أتذكر عندما كان الجيش وإسرائيل في غزة، وكنا نعيش في سلام، كان الأطفال يلعبون، ويذهبون إلى المدارس، ولم تكن هناك مشاكل. لكن اليوم، دمر إرهاب (حماس) غزة وشعبها».
أبعاد استراتيجية محفوفة بالمخاطر
هذه التطورات أثارت ردود فعل متباينة من المحللين السياسيين والمراقبين الإقليميين. حيث صرّح أحمد فؤاد الخطيب، وهو محلل أمريكي من أصل فلسطيني ويشغل منصب الزميل المقيم الأول ورئيس برنامج “إعادة الاصطفاف من أجل فلسطين” في المجلس الأطلسي، أن هذه السياسة الإسرائيلية قد تكون محفوفة بالمخاطر.
وقال الخطيب في مقابلة مع ذا لونغ وور جورنال، التابعة لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD):
“إن جيش الدفاع الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية يلعبان بالنار إذا اتبعا سياسة تسليح النشطاء المناهضين لحماس دون سياسة شاملة واضحة، ومظلة توجه وتوحد وتسيطر في نهاية المطاف على هذه الجهود للوصول إلى سيناريوهات انتقالية قابلة للتطبيق وسيناريوهات اليوم التالي.”
وحذّر الخطيب من أن غياب مثل هذه المظلة قد يؤدي إلى تفكك داخلي وفوضى مسلحة على غرار ما حدث في أفغانستان خلال الاحتلال السوفيتي أو خلال الحرب الأهلية في سوريا، حيث تحوّلت الجماعات المسلحة من أدوات إلى أطراف صراع متناحرة.
فعالية محدودة وسط قبضة أمنية مشددة من حماس
ورغم الحديث المتزايد عن انتشار جماعات مسلحة مناوئة لحماس في غزة، إلا أن المعطيات الميدانية تُظهر أن الحركة لا تزال تحتفظ بقبضة أمنية قوية على القطاع.
وتشير تقديرات أمنية حديثة إلى أن حماس لا تزال تملك نحو 2500 مقاتل مسلح داخل مدينة غزة وحدها، ما يعكس استمرارية سيطرتها العسكرية والتنظيمية، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه الجماعات الجديدة على التأثير الفعلي أو تقويض سلطة الحركة الإسلامية في المدى القريب.
ظهور جماعة “قوة مكافحة الإرهاب الضاربة” يسلّط الضوء على تشققات جديدة في المشهد الأمني والسياسي داخل قطاع غزة، لكنه في الوقت ذاته يُبرز تعقيدات شديدة تتعلق بالشرعية، التمويل، والارتباطات الخارجية.
وبينما يرى البعض في هذه الجماعات بديلاً محتملاً لحكم حماس، يحذّر آخرون من أن تعدد الميليشيات دون قيادة سياسية موحدة قد يُغرق غزة في فوضى مشابهة لتجارب دول عربية أخرى مزقتها الحروب الأهلية والفراغات الأمنية.