السلايدر الرئيسيصحف

صحيفة نيويورك تايمز: لبنانيون ينتظرون أبناءهم منذ عقود خلف أسوار السجون السورية… وبعضهم لا يزال يأمل

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير استقصائي جديد إن آلاف العائلات اللبنانية لا تزال تعيش على وقع جرح مفتوح منذ عقود، حيث فُقد أحبّاؤها في أقبية السجون السورية خلال حقبة الاحتلال السوري للبنان. بعضهم لا يزال يأمل، وبعضهم مات على هذا الأمل، دون أن يحصل على إجابة.

وأضافت الصحيفة أن هدى العلي، أمٌّ لُبنانية عاشت ما تبقى من عمرها تبحث عن ابنها، الذي فُقد في عام 1986 على يد القوات السورية، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة هذا العام، بعد 34 عاماً من الانتظار.

كان ابنها، علي، في الثامنة عشرة من عمره عندما اعتُقل عند نقطة تفتيش سورية في لبنان. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة البحث الطويلة. جابت هدى السجون السورية، تنقلت بوسائلها البسيطة من مدينة لأخرى، خيطت لتدفع ثمن الطريق، وسألت الحراس والضباط والجنود، بلا جدوى. وعندما لم تعد ساقاها تحملانها، حمل أبناؤها القضية من بعدها.

وتابعت الصحيفة أن قصة العائلة انفجرت من جديد في ديسمبر/كانون الأول، حين ظهر رجل مسنّ في فيديو بثته قناة إخبارية خارج سجن سوري، بعد سقوط نظام بشار الأسد في هجوم مباغت شنّه مقاتلو المعارضة. بدا الرجل مذهولاً، ضعيفاً، بأعين تائهة وشعر أشعث. تجمّدت العائلة في مكانها عند مشاهدة الفيديو: كان يشبه علي كثيراً.

لكن الحلم لم يكتمل. لم يظهر الرجل مجددًا، ولم تتلق العائلة أي اتصال رسمي. اختفى علي من جديد، هذه المرة في صمت إعلامي ورسمي خانق.

وقال شقيقه معمر للصحيفة، وهو يُمسك بصورة قديمة لأخيه في منزل العائلة شمال لبنان:
“علينا أن نُكمل مسيرة والدتنا. لا نزال نعتقد أنه على قيد الحياة. شعور الأم لا يخطئ.”

إرث ثقيل للاحتلال السوري… وسجون تتحول إلى مقابر

وأوضحت نيويورك تايمز أن هذا الملف ليس استثناءً، بل يعكس مصير آلاف اللبنانيين الذين اختفوا خلال احتلال سوريا للبنان بين عامي 1976 و2005. وتُقدّر منظمات حقوقية عدد المفقودين اللبنانيين في السجون السورية بما يفوق 700 شخص، رغم أن السلطات اللبنانية الرسمية لم تُبدِ أي ضغط جاد لتحريك هذا الملف طوال سنوات حكم الأسد الأب ثم الابن.

وأضافت الصحيفة أن الاستخبارات السورية استخدمت أراضي لبنان كامتداد لنفوذها الأمني، واختطفت معارضين سياسيين، ونشطاء، وحتى مدنيين، دون محاكمة أو مساءلة. وكان فندق “بوريفاج” الفخم في بيروت رمزًا لرعب تلك المرحلة، حيث تحوّل إلى مركز احتجاز وتعذيب يديره ضباط سوريون.

وتابعت الصحيفة أن عدداً من هؤلاء المعتقلين عاد إلى لبنان بعد عقود. من بينهم سهيل الحموي، الذي اعتُقل عام 1992 من منزله على يد المخابرات السورية، وعاد بعد 33 عاماً ليقف على شرفته المطلة على البحر في بيروت، ينظر إلى الأفق ويدخن سيجارته بصمت.

قال الحموي للصحيفة:لم أر البحر منذ أكثر من ثلاثة عقود. أحاول أن أصدق أنني عدت.”

زنزانات أشبه بالقبور

ووصفت الصحيفة تجربة الحموي بأنها نموذج لمعاناة المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. فقد أمضى خمس سنوات في الحبس الانفرادي، في زنزانة لا يتجاوز عرضها 76 سنتيمترًا، وصفها بأنها “قبر ذو باب”. ثم نُقل إلى سجن صيدنايا سيئ السمعة، حيث جُرّد من اسمه وأُعطي رقمًا: 55.

في السجن، نشأت روابط إنسانية بين المعتقلين رغم ظروف القهر. يتذكر الحموي رفيقه اللبناني فهد، الذي رفض العلاج الطبي وقال: “أفضل أن أموت اليوم على أن أعيش غدًا في هذا الجحيم.” ويتذكر صحفيًا سوريًا اختفى بعد أن أخبره الحراس أن “لديه زيارة”، ولم يُعرف عنه شيء بعدها.

وقالت الصحيفة إن هؤلاء المعتقلين كانوا يعيشون في عزلة تامة، بلا محاكمة، ولا تواصل مع العالم الخارجي، وكانوا يُعذَّبون أحيانًا أشد من غيرهم بسبب جنسيتهم.

ملف مغلق… إلى متى؟

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن بعض اللبنانيين تلقّوا ردودًا صارمة من السلطات السورية عند محاولة السؤال عن مصير ذويهم. نقلت الصحيفة عن عبير أبو زكي، ابنة أحد المختفين منذ عام 1987، قولها إن العائلة كانت على وشك السفر إلى ألمانيا عندما قرر والدها القيام برحلة عمل أخيرة إلى سوريا. لكنه اعتُقل بسبب حمله علبة قهوة تحتوي على دولارات أميركية – جريمة مالية بحسب قوانين النظام.

“قالوا لنا لاحقًا: هو في سجوننا. لا تسألوا عنه مرة أخرى.”
ثم جاء الجواب النهائي بعد سنوات: “اعتبروه ميتًا.”

لكن عبير لا تزال ممزقة بين الأمل والشك، تقول:
“أحيانًا أظن أن الأمل بأن يكون حيًّا أنانية… لكننا كنا نشعر بالذنب إذا أكلنا أو شربنا، لأننا نعلم أنه لا يستطيع ذلك.”

لجنة تحقيق… وآمال باهتة

وتختم الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن السلطات الجديدة في سوريا، بعد الإطاحة بالأسد، شكلت لجنة للتحقيق في مصير المختفين. لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق العدالة، والمساءلة، وكشف مصير الآلاف الذين “ابتلعتهم” السجون السورية.

وفي لبنان، لا تزال العائلات تنتظر، تتنقل بين الصور والذكريات، وتدّخر المال لعبور الحدود، بحثًا عن جواب.

من منزل العائلة شمال لبنان، قال معمر:
“منذ ثلاثين عامًا نعيش على الأمل. لا نملك سواه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى