صحيفة الغارديان: ناثان جيل بين الرشاوى الروسية وصمت فاراج وحزب إصلاح المملكة المتحدة.. كيف تسللت موسكو إلى قلب السياسة البريطانية
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن قصة ناثان جيل، السياسي الذي كان يُنظر إليه ذات يوم بوصفه أحد رموز التيار الشعبوي الصاعد في ويلز، تحولت إلى واحدة من أكثر الفضائح إحراجًا في تاريخ السياسة البريطانية الحديثة، بعد إقراره بالذنب في تلقي أموال من شخصيات مرتبطة بالكرملين مقابل الترويج لروايات تخدم المصالح الروسية داخل البرلمان الأوروبي.
وأضافت الصحيفة أن جيل، البالغ من العمر 52 عامًا، كان في الماضي أحد الوجوه البارزة في حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) ثم في حزب إصلاح المملكة المتحدة بزعامة نايجل فاراج. ورغم أنه كان معروفًا بطوله الفارع وهدوئه وورعه الديني كعضو في كنيسة المورمون، إلا أن سيرته المهنية انحدرت تدريجيًا حتى انتهت إلى قفص الاتهام في محكمة أولد بيلي، حيث سيُحكم عليه هذا الشهر بتهم تتعلق بالرشوة والتعاون مع جهات روسية.
وأشارت الغارديان إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) كان قد كشف، عبر رسائل “واتساب” حصل عليها من هاتف السياسي الأوكراني أوليغ فولوشين، عن وجود تحويلات مالية سرية لجيل مقابل الإدلاء بتصريحات موالية لروسيا، تزامنت مع تصاعد حملة الكرملين الإعلامية لتشويه القيادة الأوكرانية قبيل الغزو الروسي الشامل عام 2022.
وقالت الصحيفة إن هذه المدفوعات، التي جرى وصفها في المراسلات بـ“هدايا عيد الميلاد” أو “بطاقات بريدية”، كانت تُستخدم كغطاء لرشاوى نقدية بلغت نحو عشرة آلاف جنيه إسترليني على الأقل، مقابل خطابات وتصريحات في البرلمان الأوروبي تهدف لتقويض صورة كييف والتشكيك في أهليتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وأوضحت الغارديان أن جيل لم يكن وحيدًا في تلك الدائرة؛ فقد سافر برفقة زميلَيه ديفيد كوبورن وجوناثان أرنوت إلى أوكرانيا عام 2018، حيث ظهروا جميعًا على قناة “112 أوكرانيا” — وهي محطة مرتبطة بالملياردير الموالي لروسيا فيكتور ميدفيدتشوك، أحد المقربين من الرئيس فلاديمير بوتين. وبعد أسابيع، كرر الثلاثة تصريحات مشابهة في البرلمان الأوروبي، نُسِبت مسوداتها إلى فولوشين.
ورغم أن كوبورن وأرنوت لم يُتهما رسميًا، فإن الحادثة — بحسب الصحيفة — كشفت عن شبكة نفوذ روسية نسجت خيوطها داخل أروقة السياسة البريطانية والأوروبية على حد سواء.
وأضافت الصحيفة أن جيل وُصف في بروكسل بأنه “الساعد الأيمن” لفاراج، وأن مكتبه كان ملاصقًا لمكتب الزعيم الشعبوي الذي يُعد أبرز دعاة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومع أن فاراج سارع إلى التنصل من جيل بعد افتضاح القضية، مؤكدًا أنه “صُدم بشدة من أفعاله”، إلا أن مصادر داخل البرلمان الأوروبي أكدت لـالغارديان أن العلاقة بين الرجلين كانت وثيقة وأنهما تشاركا العديد من الأنشطة السياسية والإعلامية في تلك الفترة.
وأوضحت الغارديان أن القضية تتجاوز سقوط جيل الفردي، إذ إنها تثير أسئلة خطيرة حول محاولات روسيا لاختراق المؤسسات الديمقراطية في الغرب عبر أدوات المال والإعلام والدعاية السياسية. فبينما سعت لندن وواشنطن إلى مواجهة نفوذ موسكو في أوروبا الشرقية، كانت الخلايا الدعائية الروسية تعمل بهدوء على استمالة شخصيات في قلب النظام السياسي البريطاني.
وقالت الصحيفة إن القصة تعيد إلى الأذهان فضائح التجسس القديمة مثل قضية جون ستونهاوس في الستينيات، لكنها في هذه المرة تأتي في عصر ما بعد “بريكست”، حيث أصبحت بريطانيا أكثر عرضة لمحاولات التأثير الخارجي مع ضعف الرقابة المؤسسية وانقسام الأحزاب.
وأشارت الغارديان إلى أن ناثان جيل، الذي بدأ مسيرته المهنية كمحامٍ في جزيرة أنجلسي، وجد نفسه بعد إخفاقاته الانتخابية في قلب المشهد الأوروبي، محاطًا بجماعات ضغط دولية ومصالح متشابكة. لكن ما بدا في البداية طريقًا نحو النجومية السياسية، تحول إلى فخ استخباراتي استغل هشاشته المالية وطموحه السياسي.
ونقلت الصحيفة عن أليكس فيليبس، المستشار الإعلامي السابق لجيل، قوله إن “القضية مأساوية بقدر ما هي خطيرة”، مضيفًا أن جيل كان “هدفًا سهلًا” لعناصر أجنبية تدرك نقاط ضعفه الشخصية والاقتصادية.
وفي ختام تقريرها، قالت الغارديان إن قضية ناثان جيل تمثل إنذارًا لبريطانيا بشأن هشاشة نظامها السياسي أمام محاولات النفوذ الأجنبي. فبينما تواصل الحكومة البريطانية اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الغربية وتمويل حملات التضليل الإعلامي، تكشف هذه القضية أن التهديد لم يعد بعيدًا أو نظريًا — بل يسكن قلب ويستمنستر نفسها.