أقلام مختارة

حرب إسرائيل وطوق نجاة نتنياهو

سامح المحاريق

تختلف الاشتباكات الأخيرة والجارية حاليًا بين إيران وإسرائيل عن التوترات السابقة والتي تتابعت منذ أشهر، وقامت على أساس الفعل ورد الفعل دون تطوير الحالة إلى حرب طويلة أو شاملة، وإلى اليوم، وعلى الرغم من النقلة النوعية التي حدثت بعد الهجوم الإسرائيلي في ليلة الجمعة الماضية، لا يمكن أن يعتبر ما يحدث حربًا على الأقل بالمعنى المتعارف عليه.
الضربة الإسرائيلية كانت متوقعة، وفرضت نفسها على أولويات الحكومة الإسرائيلية التي كثيرًا ما وجدت أمامها أبواب موصدة في واشنطن وغيرها من العواصم المؤثرة في العالم، والهدف المعلن هو تقويض البرنامج النووي الإيراني، والهدف الضمني، هو تحييد إيران عن منافسة إسرائيل على المستوى الإقليمي، أما تنفيذ هذه الضربة بمستوى طموح للغاية فأتى بعد مجموعة من التفاعلات التي خدمت الأجندة الإسرائيلية، ومن أهمها التحولات التي حدثت على الساحتين اللبناينة والسورية، أي في فضاء النفوذ الإيراني السابق، بالتوازي مع حالة ارتباك سياسي أتبعت سقوط طائرة الرئيس إبراهيم رئيسي العام الماضي.
يدرك النظام الإيراني في المقابل، أن التراجع عن البرنامج النووي سواء تحت ضغط المفاوضات، أو خسارته في مواجهات عسكرية، يعني نقل إسرائيل إلى هدفها الثاني وهو التحييد، فالنظام يمكن أن يستمر ولكنه سيخضع لمرحلة من التفكك الداخلي بناء على الغضب الشعبي الذي سيتصاعد بحثًا عن إجابة ومبرر لتبديد استثمارات هائلة وظفت في المشروع، وكان أولى أن توجه لتوفير مستويات حياة أفضل للشعب، ولا يتوقف ذلك عند إنفاق هائل وتحشيد متواصل للمشروع النووي، بل وعلى تحمل ضريبة العقوبات الاقتصادية الطويلة التي انعكست على مختلف القطاعات الحيوية في إيران.
العدوان الإسرائيلي الذي أدانته جميع دول المنطقة، وخاصة في منطقة الخليج، تمكن من تحقيق نجاحات واسعة في الساعات الأولى، وتعطيل قدرة الإيرانيين على الرد لفترة من الوقت، بالإضافة إلى محصلة خسائر محرجة في طهران اشتملت على قيادات عسكرية رفيعة المستوى، وشخصيات مرتبطة بإدارة وتطوير المشروع النووي الإيراني، إلا أن إيران تمكنت من استجماع ذاتها لتبدأ بضربات متتابعة على إسرائيل، وتابع العالم مشاهد غير مسبوقة لضربات استهدفت مدينة تل أبيب الرئيسية في إسرائيل، على الأقل منذ الضربة التي وجهها العراق في 1991، ولكن في سياق مختلف.
في المقابل، لا تمتلك إيران هدفًا واضحًا في حربها مع إسرائيل في هذه المرحلة على الأقل، فهي تدرك أن حديثًا عن القضاء على إسرائيل هو مجرد مادة للاستهلاك المحلي، وحتى أنها في مرحلة ما كانت تتابع التوسع الإسرائيلي على حساب مناطق نفوذها، ولكن ما تبقى لأهداف في جعبة الإيرانيين يجعل الاحتمالات كلها مفتوحة في هذه الحرب، فالإيرانيون يقفون اليوم أمام امتحان وجودي، على مستوى النظام بصورة مباشرة، وعلى مستوى الشعب الإيراني كذلك، فالهيمنة الإيرانية وإثبات التفوق على المحيط الجغرافي لم ينشأ مع الثورة الإسلامية، ولكنه توازى مع تأسيس إيران في شكلها الحديث.
هي حرب إسرائيلية خالصة، والأمريكيون يحاولون أن يتخذوا لأنفسهم مسافة بعيدة عنها، وإن كانوا يستعدون لتعقد الموقف بالصورة التي تدفع بمنطقة الخليج إلى استعادة الأيام الصعبة لحرب الخليج الأولى في نسخة أكثر تعقيدًا لأن ضفاف الخليج تشهد تواجدًا واسعًا للأمريكيين وحلفائهم، ولأنها حرب إسرائيلية فالمتوقع أن تشهد حالة من استعادات معنوية للإيرانيين في حالة تمكنوا من ضبط العلاقات مع العديد من الدول ومنها دول مجلس التعاون الخليجي والأردن.
الأردن ومصر التي تحسنت علاقاتها مع إيران بصورة لافتة خلال الأسبوعين الماضيين لا يودان أن تنتهي هذه الحرب لمصلحة إسرائيل بالصورة التي يريدها نتنياهو وحلفاؤه، لأن ذلك سيعني انفتاحًا في شهية دولة الكيان لتحقيق خطط أخرى يتبناها اليمين المتطرف الذي سيعتبر النصر على إيران إشارة إلهية لاستكمال مشروعات توراتية تعني بوجود الشعب الإسرائيلي في التاريخ، وهذه المشروعات ستترجم نفسها في صورة تحديات ومواجهات مستقبلية مع إسرائيل المنتشية.
عدم وجود الحدود التي تسمح باشتباك بري بين البلدين أو استخدام المدفعية والأسلحة الميدانية الأخرى، يجعل الحرب على درجة كبيرة من التعقيد، ويفتح كذلك فرصًا للخروج بحلول وسط، والأمر يتعلق بطهران بصورة جذرية وقدرتها على الصمود وتفويت فرصة ترجمة العدوان الإسرائيلي إلى انتصار بأي معنى، وبحيث يمكن البحث عن مخرج مشرف للإيرانيين بخصوص البرنامج النووي يبقيه في نفس المرحلة فلا يصل إلى القنبلة الذرية ولا يتراجع ليصبح فصلًا منتهيًا لشعب تكبد الكثير والكثير من أجل تحقيقه، وفي هذه الحالة ستخرج إسرائيل في وضعية يمكن أن تسمح باستئناف مسار نتنياهو تجاه لحظة المحاسبة التي يتجنبها بكل الطرق، ولو كانت من خلال إشعال المنطقة والعالم.

عن صحيفة الرأي الاردنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى