المشهد المغربي على صفيح ساخن… الصراع بين بنكيران وأخنوش يعود إلى الواجهة قبل انتخابات 2026
من فاطمة الزهراء كريم الله

الرباط ـ يورابيا ـ من فاطمة الزهراء كريم الله ـ في مناخ سياسي يتسم بالتوتر والترقب، عادت الخصومة القديمة بين رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش وزعيم حزب “العدالة والتنمية” عبد الإله بنكيران إلى الواجهة، على وقع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والبلدية المنتظرة في عام 2026.
ورغم أن تاريخ المواجهة بين الرجلين يعود إلى عام 2016، إلا أن حدتها لم تخفت، بل زادتها الظروف الراهنة اشتعالا، في ظل ما تصفه تقارير دولية بـ”أزمة ثقة” تعصف بالمشهد الحزبي المغربي وتغذي عزوف الشارع عن الخطاب السياسي التقليدي.
البلوكاج يعود بلغة مختلفة
بحسب مجلة “جون أفريك” الفرنسية، فإن الصراع القائم بين أخنوش وبنكيران لا يمكن اختزاله في خلاف شخصي، بقدر ما يعكس مأزقًا مؤسساتيًا أوسع. فالمشهد الحزبي المغربي يعيش ما يشبه العطب البنيوي: خطاب سياسي راكد، فقدان لثقة الناخب، وغياب بدائل مقنعة في الأفق.
ويعود أصل الصدام بين الطرفين إلى مرحلة ما يُعرف بـ”البلوكاج السياسي” عام 2016، حينما فشل بنكيران، رغم فوزه بالانتخابات آنذاك، في تشكيل حكومة توافقية، بعد أن واجه عراقيل مباشرة من عزيز أخنوش، الذي كان حينها حديث العهد بقيادة حزب “التجمع الوطني للأحرار”.
وبعد تعثر المفاوضات، تدخّل الملك محمد السادس وعين سعد الدين العثماني، شخصية أكثر مرونة، لرئاسة الحكومة، ما شكّل آنذاك نكسة سياسية لبنكيران لم تُمح آثارها حتى اليوم.
صدام يتجدد… وساحة تتسع
العام 2025 شهد تصعيدًا واضحًا في الخطاب بين الرجلين.
فعبد الإله بنكيران، الذي أعيد انتخابه على رأس “العدالة والتنمية” في أبريل الماضي، استثمر حالة الاستياء الشعبي المتنامية ليعود إلى الساحة، مهاجمًا بشراسة الحكومة الحالية، وواصفًا إياها بأنها “منفصلة عن هموم المواطنين”.
وفي سلسلة من التصريحات النارية، اتهم بنكيران الحكومة بـ”الفساد المؤسسي” و”خدمة المصالح الخاصة”، مستشهدا بمنح مشروع تحلية مياه الدار البيضاء إلى تحالف يضم شركات من مجموعة “أكوا” العائلية التابعة لأخنوش.
بل وصل به الأمر إلى دعوة رئيس الحكومة إلى “الاستقالة… حتى يتنفس المغرب”، في تصعيد مباشر وغير مسبوق.
وفي مشهد آخر، ندد بنكيران بذبح 60 خروفًا خلال زيارة رسمية لأخنوش إلى مدينة أغبالة، معتبرا ذلك “سلوكا استفزازيًا” في وقت أُعفي فيه المغاربة من أضحية العيد بقرار ملكي بسبب الظروف الاقتصادية.
هجوم لاذع… ورد ببرود
في المقابل، ينهج عزيز أخنوش تكتيكًا مختلفًا: تجاهل محسوب، مع ردود غير مباشرة.
ففي مناسبات عدة، خصوصًا خلال التجمع الصيفي لحزبه في سبتمبر 2024، هاجم من أسماهم بـ”الشعبويين والمهرجين”، من دون أن يسمي بنكيران، داعيًا إلى “الدفاع عن الأغلبية الحكومية” و”عدم الانجرار وراء خطاب التأزيم”.
وحسب “جون أفريك”، فإن المحيطين بأخنوش يتهمون “العدالة والتنمية” بمحاولة طمس إخفاقاته السابقة، خصوصًا خلال فترة توليه رئاسة الحكومة، مثل فشل تنفيذ مشاريع كبرى في الدار البيضاء، ومن ضمنها المحطة الجوية الجديدة التي كان يفترض أن تكون جاهزة ضمن الاستعدادات لاستضافة مونديال 2030.
شرعية في الميزان
مع اقتراب موعد الانتخابات (المرجح أن تُجرى في سبتمبر 2026)، يتحول الصراع بين الرجلين إلى سباق على الشرعية السياسية.
فالعدالة والتنمية، الذي تراجع من 125 مقعدًا إلى 13 فقط في انتخابات 2021، يرى أن الحكومة الحالية فقدت رصيدها الشعبي، ويستشهد بقياسات الرأي الأوروبية الداعية لانتخابات مبكرة كحل لأزمات الثقة.
في حين يتمسك أخنوش بشرعية صندوق 2021، ويراهن على إنجازاته الميدانية واستقرار الأغلبية البرلمانية التي تدعمه.
أزمة أعمق من خصومة
في خلفية هذا الصدام الثنائي، تكمن أزمة أكثر عمقًا، تتعلق بإفلاس الخطاب السياسي المغربي في صورته الحالية.
فبحسب المجلة الفرنسية، فإن المواجهة بين بنكيران وأخنوش باتت “كاريكاتورًا حادًا لشلل أوسع”:
-
من جهة، زعيم إسلامي يُكرر وصفات الأمس، وإن كان لا يزال حاضرًا جماهيريًا.
-
ومن جهة أخرى، رجل أعمال تكنوقراطي يعتمد على المؤسسات وعلى سلطة المال والهدوء التكتيكي، دون أن يُظهر تأثرًا بالانتقادات.
2026 حلبة مفتوحة واحتمالات معلقة
ما يجعل المشهد أكثر ضبابية هو أن البدائل ما تزال ضعيفة، والأحزاب الأخرى عاجزة عن كسر الثنائية السياسية القديمة – حتى وإن تراجعت ثقة الشارع بها.
المفارقة أن بنكيران، رغم تراجع حزبه، يراهن على هذا الاستقطاب الحاد ليعود كـ”زعيم منقذ”، بينما يبدو أخنوش مطمئنًا إلى أرقامه وتحالفاته، وإن بدا أقل حضورا على الأرض.
وفي بلد تتزايد فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، تقول “جون أفريك” إن المغرب بحاجة إلى إصلاحات سياسية ملموسة، لا إلى إعادة تدوير خصومات قديمة في قالب جديد.
ومع ذلك، يبقى الباب مفتوحًا حتى انتخابات 2026، حيث قد تُعيد صناديق الاقتراع تشكيل المشهد… أو تكرّس الانقسام نفسه، بثوب أكثر تشوشًا.