قبل انعقاد الجمعية العامية للأمم المتحدة وحتى قبل سفر الرئيس الفلسطيني، محمود عباس إلى نيويورك، عجت وسائل التواصل الاجتماعي بجملة: “الرئيس سيلقي خطاباً تاريخيا”. خطاب قيل إنه سيقلب الطاولة على المجتمع الدولي وسيغير النظرة للقضية الفلسطينية. وهذا كان أمل الكثير من الفلسطينيين في الداخل والخارج. لأننا لم نعد نملك أي شيء، ولم يعد أحد قارد على دعم قضيتنا أو حتى تقديم مساعدات إنسانية بعد إعلان الرئيس الأمريكي، ترامب الحرب على الفلسطينيين في المحافل الدولية.
الكل انتظر ساعة الصفر، ولكن هذه الساعة لم تجلب معها ما انتظره الجميع. فلم يكن خطاب هذا العام أكثر من مجرد خطاب عادي، حاول من خلاله الرئيس عباس وضع الحقائق أمام المجتمع الدولي، متسائلاً عن عدم التزام هذا المجتمع بأبسط واجباته، لقد حمل الخطاب لغة الرجاء والطلب، حتى أن البعض وصفها بلغة استجداء الحقوق. لأن مجرد القول “نحن نريد فقط تقرير المصير، لماذا لا نعطى ذلك، ونريد إقامة دولة إلى جانب دولة إسرائيل،” لا ينم عن منطق قوة، أو منطق صاحب حق. بل ولا يرقى لمستوى الحملة التي شاهدتها عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن نستجدي فيها حقوقنا من مجتمع لا يفهم إلا منطق القوة.
الفلسطينيون انتظروا، بما فيهم أنا هذا الخطاب بفارغ الصبر، على أمل أن يبدأ بتحميل إسرائيل مسؤوليتها عن الدمار والقتل. تحميلها مسؤولية حصار اكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة. نعم، فإسرائيل هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تجويع الفلسطينيين في قطاع غزة.
كان لا بد من الحديث عن إرهاب المستوطنين ومصادرة الأراضي. والتركيز على معركة الخان الأحمر. معركة مصيرية لمستقبل دولة فلسطينية، إن كان هناك أفق في هذا الاتجاه. فالاستيطان ينهش الأرض والإنسان ويصادر أبسط حقوق الشعب الفلسطيني. كان لا بد من التركيز على قضية القدس، التي تتعرض لتهويد منذ عقود، وأهلها يعانون الأمرين دون أن ينظر إليهم المجتمع الدولي نظرة إنصاف. لقد استسلم العالم لقرارات الرئيس الأمريكي وبدؤوا يتعاملون معها على أنها مسلمات، ومن هنا كان لا بد تذكير المجتمع الدولي بمسؤوليته تجاه القضية الفلسطينية. كان لا بد من تذكير الدول الأوروبية بمسؤوليتها تجاه قضية اللاجئين، والتي أصبحت عرضة للابتزاز الأمريكي.
الفلسطينيون لا يستجدون حقوقهم، بل يؤكدون على أنها ثوابت ويطالبون بتنفيذها بكل قوة، وأنه لا يمكن لهم في ظل المعطيات الحالية والوقاحة الأمريكية الإسرائيلية أن يكون الخطاب الفلسطيني بهذا المستوى. وقاحة الرئيس الأمريكي لم تقتصر على الأقوال، بل تبعها بالأفعال ورئيس. وصديقه نتانياهو بدأ يغني على نفس الموجة ويجبر دول العالم بقبول هذا الواقع، على أنهم مسلم به ولن يتغير.
الفلسطينيون انتظروا أن يتحدث الرئيس عن إرهاب المستوطنين وأن يركز جل خطابه على جرائم الاحتلال من قمع وقتل وتشريد ومصادرة للأراضي. بدلاً من الحديث عن حماس ورفض دولة الميليشيات. لم يكن في حسبان الشعب الفلسطيني أن يتم الحديث في الأمم المتحدة عن الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، لأن هذه قضية ومسألة داخلية ولن يستطيع أحد حلها سوى أصحابها. وبعد هذه الهفوة رد نتانياهو بكل وقاحة على خطاب الرئيس بالقول: “أنت تدعم الإرهاب بكل فخر”. قادة إسرائيل يتبجحون أمام العالم بأنهم يدافعون عن أمنهم، ونحن لا نجرؤ على القول بأن من حقنا الدفاع عن أنفسنا. نحن ندافع عن حقوقنا وممتلكاتنا ولا نستجدي السلام. يجب أن يرقى خطابنا لمستوى القضية الفلسطينية.