وول ستريت جورنال: مصر تدرب قوة فلسطينية لما بعد الحرب في غزة وسط خلافات عربية ورفض حماس والامارات تطلب اصلاح السلطة
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن مصر بدأت تدريب مئات الفلسطينيين ضمن برنامج أمني يهدف إلى تشكيل قوة قوامها يصل إلى عشرة آلاف عنصر، تتولى مهمة حفظ الأمن في قطاع غزة بعد انتهاء الحرب. وأوضحت الصحيفة أن هذا التحرك يأتي في إطار رؤية عربية أوسع تهدف إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب بدون وجود لحركة حماس، وسط توافق إقليمي على ضرورة إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية داخل القطاع بما يضمن الاستقرار ويمهّد لحل سياسي طويل الأمد.
وأضافت الصحيفة أن عناصر القوة الجديدة يخضعون لتدريبات أمنية مكثفة داخل الأكاديميات العسكرية المصرية، وأن أغلب المجندين ينتمون إلى أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، فيما يُتوقع أن تشمل القوة أيضاً أفراداً من حركة فتح المقيمين في غزة، ما يعكس محاولة لتشكيل قوة أمنية ذات طابع وطني شامل، لا تقتصر على جهة واحدة.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الخطوة تأتي بينما تتجمع عدة دول عربية خلف خطة لإعادة هيكلة الوضع في غزة، وسط جهود حثيثة لتأمين الدعم الدولي والإقليمي لهذه الرؤية، بما في ذلك التنسيق مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن هذه التحركات تواجه عقبات كبيرة، من أبرزها المعارضة الإسرائيلية الصريحة لأي دور للسلطة الفلسطينية في القطاع، إذ تعتبر إسرائيل أن السلطة فقدت شرعيتها في غزة منذ سيطرة حماس عليها في عام 2007.
وتتضمن الرؤية العربية الجديدة مشاركة عناصر أمنية من دول أخرى في المنطقة للمساهمة في حفظ الأمن، إلى جانب القوة الفلسطينية التي يتم تدريبها، ضمن تصور أوسع لإعادة بناء الأجهزة الأمنية من الصفر. لكن يبقى نجاح هذا المخطط مرهونًا بالتوافق السياسي الفلسطيني الداخلي، وإيجاد صيغة لدمج عناصر الأمن السابقة التابعة لحماس، إضافة إلى تجاوز الرفض الإسرائيلي وتثبيت دعم دولي واضح لخطة ما بعد الحرب.
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن تفاصيل تشكيل القوة الأمنية الدولية التي يُتوقع أن تتولى مسؤولية الأمن في قطاع غزة بعد الحرب لا تزال محل نقاش بين عدة دول عربية، في ظل توافق عام على ضرورة استبعاد حركة حماس من المشهد الأمني والسياسي في المرحلة المقبلة. وأوضحت الصحيفة أن الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تشترط تنفيذ إصلاحات جوهرية داخل السلطة الفلسطينية قبل تقديم أي دعم لدورها في غزة ما بعد الحرب، وهو ما يعكس تباينًا في الرؤى بين الدول العربية بشأن شكل الحوكمة في القطاع.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين عرب، فإن القوة الأمنية المزمع تشكيلها ستعتمد في المقام الأول على عناصر من الأمن الفلسطيني، وتحديدًا من الأجهزة التابعة للسلطة في الضفة الغربية، بينما ستأتي غالبية القوات العربية من مصر، مع مساهمات محدودة من الأردن وبعض دول الخليج. يأتي ذلك ضمن خطة أوسع لتشكيل قوة أمنية عربية/فلسطينية مختلطة تتولى ضبط الأمن في غزة في أعقاب انسحاب حماس.
الصحيفة لفتت إلى أن هذه الجهود تتزامن مع تحوّل واضح في الموقف العربي تجاه حماس، حيث دعت جامعة الدول العربية، للمرة الأولى في يوليو الماضي، إلى نزع سلاح الحركة وإنهاء سيطرتها على القطاع، في مؤشر على رغبة إقليمية جادة لإعادة هيكلة السلطة في غزة واستبعاد الفصائل المسلحة من الحكم.
وأكد محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني، وجود خطة لتدريب ما يصل إلى عشرة آلاف عنصر أمني فلسطيني، مشددًا على أن “اليوم التالي في غزة لا يجب أن يشمل حماس”، وأن البديل عن السلطة الفلسطينية سيكون “إما الفوضى أو استمرار سطوة السلاح”. وأشار الهباش إلى أن المجتمع الدولي هو من سيتكفل بتغطية تكاليف البرنامج التدريبي، موضحًا أن أول دفعة مكونة من خمسة آلاف عنصر سيتم إرسالها إلى مصر فور الإعلان عن وقف إطلاق النار، وأن البرنامج التدريبي سيستمر نحو ستة أشهر.
في المقابل، رفضت حركة حماس هذه الخطط، واعتبر أحد مسؤوليها أن أي قوة دولية غير فلسطينية “لن تكون مقبولة ولن تنجح”، واصفًا الاقتراح العربي بأنه غير عملي. كما رفضت الحركة مؤخرًا مبادرة تقدمت بها مصر وقطر تتضمن تشكيل قوة عربية أمنية، تشمل عناصر من السلطة الفلسطينية الذين يتلقون تدريبات بالفعل في مصر، مقابل تخلي حماس عن سلطتها السياسية والعسكرية في غزة، وهو ما رفضته بشكل قاطع.
وبدلاً من ذلك، أبدت حماس استعدادها لقبول مقترح أمريكي–إسرائيلي سابق يتضمن وقفًا لإطلاق النار لمدة ستين يومًا، يتم خلاله تبادل عشرة رهائن إسرائيليين مقابل الإفراج عن مئات السجناء الفلسطينيين، دون التطرق إلى ترتيبات ما بعد الحرب أو تسليم السلطة لأي جهة بديلة.
الصحيفة خلصت إلى أن مصر تلعب اليوم دورًا محوريًا في صياغة مستقبل غزة، ليس فقط عبر الوساطات الدبلوماسية، بل أيضًا عبر خطوات عملية لإعداد بنية أمنية بديلة، وسط معادلة إقليمية معقدة تتقاطع فيها حسابات المصالح مع الملفات الساخنة المفتوحة في المنطقة.
بهذا المشهد، تبقى ملامح مستقبل غزة بعد الحرب ضبابية، في ظل تضارب المصالح بين الأطراف الإقليمية، وغياب توافق فلسطيني داخلي، ومعارضة إسرائيل الصريحة لدور السلطة، ما يجعل تنفيذ أي خطة أمنية أو سياسية مشروطة بتفاهمات معقدة تتجاوز الميدان إلى غرف السياسة والدبلوماسية الدولية.