السلايدر الرئيسيصحف

وول ستريت جورنال: حماس تُحكم قبضتها على غزة وسط مخاوف من حرب أهلية وتفجر صراعات العائلات والمليشيات ولا يوجد بديل حقيقي للحركة

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة وول ستريت جورنال إن وقف إطلاق النار الذي توسّطت فيه الولايات المتحدة بين إسرائيل وحركة حماس أدى إلى إنهاء مؤقت للحرب، لكنه كشف عن مرحلة جديدة من الصراع الداخلي في قطاع غزة، حيث تدور الآن مواجهات مسلّحة بين حماس وفصائل فلسطينية أخرى، بعضها تدعمه عائلات نافذة.

وبحسب الصحيفة، فقد عزّزت حماس وجودها الأمني في القطاع فور انسحاب القوات الإسرائيلية خلال الأسبوع الماضي، وهي خطوة فسّرتها على أنها إعلان واضح بأنها ما تزال القوة الحاكمة في غزة، رغم التآكل الكبير الذي طال سلطتها خلال الحرب.

حماس تتحرك لإعادة فرض السيطرة: معارك، إعدامات، ومخاوف متصاعدة

أضافت الصحيفة أن الحركة بدأت على الفور حملة قمع شديدة ضد جماعات مسلحة منافسة، تسيطر عليها عائلات فلسطينية معروفة. واندلعت اشتباكات عنيفة بالأسلحة النارية، ترافقت مع عمليات إعدام علنية في وضح النهار، وثّقتها مقاطع فيديو تحققّت منها شركة “ستوريفول” المملوكة لشركة “نيوز كورب”، وهي ذات الشركة المالكة للصحيفة.

وأشارت الصحيفة إلى أن حماس نفذت إعدامات ميدانية لعدد من أفراد إحدى العائلات في ساحة عامة بمدينة غزة، بعد أن أجبرتهم على الركوع أمام حشد من المتفرجين. هذه المشاهد، تقول الصحيفة، أثارت موجة رعب بين السكان وزادت المخاوف من انزلاق القطاع نحو صراع أهلي داخلي.

“لا أحد يستطيع إزاحتنا”: حماس ترد على خصومها بقوة

ووفقًا لتحليل “وول ستريت جورنال”، فإن هذه الحملة الأمنية العنيفة تعكس سعي حماس لتثبيت قبضتها الأمنية واستعادة مكانتها كجهة حاكمة موحدة في القطاع، لا سيما مع اقتراب مفاوضات المراحل المقبلة من خطة السلام التي طرحتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ونقلت الصحيفة عن محلل سياسي مستقل مقيم في عمّان، حسن أبو هنية، قوله:”حماس تستعيد سيطرتها، وستكون أكثر جرأة لتُثبت للعالم الخارجي أنه لا أحد يمكنه تحدي سلطتها”.

من جانبه، علّق الرئيس ترامب على نشر حماس لقواتها الأمنية في غزة قائلًا إن الحركة طلبت صراحة الإذن بالسيطرة الأمنية على القطاع، مضيفًا:”لقد كانوا واضحين، ومنحناهم الموافقة مؤقتًا… لكن إذا لم ينزعوا سلاحهم، فسنقوم بذلك بأنفسنا”.

الانهيار الداخلي… أرض خصبة لصراعات العائلات والمليشيات

وقالت الصحيفة إن التدمير الواسع الذي حلّ بغزة منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ساهم في تفكك بنية حماس التنظيمية، وتحولها إلى مجموعات معزولة، تعاني من انقطاع التمويل، وعجز عن دفع رواتب مقاتليها. وقد استغلت عائلات فلسطينية نافذة وجماعات مسلحة أخرى هذا الفراغ الأمني لتحدي حماس علنًا وفرض سيطرتها المحلية.

وبحسب الصحيفة، قامت إسرائيل بتسليح بعض هذه الجماعات، من بينها ميليشيا “أبو شباب” في جنوب القطاع، بهدف إضعاف نفوذ حماس، مما أدى إلى تصعيد التوترات وتحول بعض المناطق إلى ساحات مواجهة دموية.

معركة عائلة دغمش: نموذج للصراع الداخلي المتصاعد

أحد أبرز الأمثلة على هذا التصعيد، كما ذكرت الصحيفة، كان الاشتباك الدموي بين حماس وعائلة دغمش في مدينة غزة، والذي اندلع بالقرب من المستشفى الأردني. وأوضحت أن حماس اتهمت العائلة بإيواء عناصر متورطة بالتعاون مع إسرائيل، وطالبت بتسليم عشرة أفراد، لكن العائلة رفضت.

وعندما حاولت قوات حماس اقتحام المكان، اندلع اشتباك مسلّح أدى إلى مقتل أحد مقاتلي حماس. في أعقاب ذلك، شنت الحركة هجومًا واسعًا على الحي، أغلقت الطرق، وأحرقت المنازل، واستخدمت الأسلحة الرشاشة والقذائف، ما أسفر عن مقتل العشرات.

وقالت صبحية دغمش، وهي إحدى أفراد العائلة، للصحيفة:”سمعت إطلاق نار في كل مكان… اشتباكات عنيفة… والحي أصبح محاصرًا بالكامل”.

وأصدر “المجلس المركزي” للعائلة بيانًا وصف ما جرى بأنه جريمة شنيعة ضد الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن القتلة لا يمثلون العائلة، وأن المجلس يسعى لتهدئة الأوضاع.

حماس تعلن حملة أمنية شاملة وتمنح مهلة عفو

قالت وزارة الداخلية في غزة، التي تخضع لسيطرة حماس، إنها بدأت تنفيذ “إجراءات لاستعادة النظام”، متهمة العصابات الإجرامية باستغلال الفوضى للنهب والاعتداء على المواطنين. وأضافت أنها ستمنح مهلة عفو محددة للمقاتلين المنافسين لتسليم أنفسهم، بشرط ألا يكونوا متورطين في جرائم قتل.

وأكدت وحدة الردع التابعة لحماس أنها سيطرت على عدة مواقع تابعة للمليشيات في غزة واعتقلت عددًا من المطلوبين. وقالت في بيان لها:”سنضرب بيد من حديد كل من يعبث بأمن الجبهة الداخلية”.

خطة حماس الأمنية: إعادة انتشار وتحضيرات مبكرة

كشفت الصحيفة أن حماس كانت تُخطط لهذا الانتشار الأمني منذ وقت طويل، إذ قال حسام بدران، عضو مكتبها السياسي، العام الماضي إنها بدأت بتشكيل قوة شرطة جديدة لمواجهة حالات النهب والانفلات.

وخلال المفاوضات مع إسرائيل، طلبت الحركة السماح لها بالاحتفاظ بأسلحة دفاعية فقط، كالأسلحة الفردية، في مقابل التخلي عن الصواريخ، بحجة حاجتها لمواجهة الجماعات المنافسة.

وأورد تقرير سري لوزارة الداخلية في غزة وثائق استخباراتية ترصد نشاط 12 فصيلاً مسلحًا مستقلًا، من بينها ميليشيا يقودها ياسر أبو شباب، تعمل في مناطق تحت سيطرة إسرائيل.

مخاوف من تكرار سيناريوهات كارثية: “الحرب الأهلية بدأت”

قال محمد هدية، محامٍ فلسطيني يعمل وسيطًا لحل النزاعات الداخلية:”هناك قلق متزايد من انزلاق الأمور نحو حرب أهلية… هذا أمر خطير للغاية… لقد بدأ بالفعل”.

وبيّنت الصحيفة أن الانقسامات في غزة ليست طائفية أو عرقية، بل عائلية وقبلية، حيث تمثل العائلات النافذة نحو 30% من السكان، وهي متورطة في التهريب وغيره من الأنشطة غير القانونية.

وكشفت الصحيفة أن إسرائيل حاولت تجنيد بعض هذه العائلات لتكون بديلًا موضعيًا لحماس. وقال نزار دغمش، أحد رؤساء العائلة، إنه تلقى اتصالًا من شخص يدّعي تمثيل الجيش الإسرائيلي طلب مساعدته في “استقرار الأحياء”، لكنه رفض التعاون.

“لا يوجد بديل حقيقي لحماس” رغم تآكلها

أشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن هناك إدراكًا واسعًا، حتى في الأوساط الأمنية الإسرائيلية، بأن السلطة الفلسطينية هي البديل الوحيد القابل للاستمرار لحكم حماس في غزة، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرفض هذا الخيار، معتبرًا إياها “فاسدة وضعيفة”، ومعارضًا إقامة دولة فلسطينية من الأساس.

وفي هذا السياق، قال إفرايم سنيه، العميد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي:”نتنياهو لا يريد بديلًا لحماس… وهذا ما يُفسر لماذا لا تزال الحركة تحكم”.

بين القبول والرفض: حماس تُعيد الأمن ولكن بثمن باهظ

قالت الصحيفة إن بعض سكان غزة، رغم معارضتهم لحماس، يرحبون بعودتها للسيطرة الأمنية في الشوارع، إذ أسهمت في ردع السرقة وضبط المرور، بعد شهور من الفوضى. لكن آخرين يرون أن ما يجري هو مقدمة لحكم أمني صارم، قد يُخفي وراءه انتقامًا أوسع.

وختمت “وول ستريت جورنال” تقريرها بالإشارة إلى استمرار الاشتباكات، فقد اندلعت مواجهات جديدة مع عائلة أبو سمرة في دير البلح، وتكررت الاشتباكات مع عائلة المجايدة مطلع أكتوبر، ما يشير إلى أن الهدوء الظاهري يخفي تحولات عميقة قد تُعيد تشكيل السلطة والنفوذ في غزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى