واشنطن بوست: الجوع أو الإعدام.. السودانيون المحاصرون في الفاشر يواجهون الموت في كل مكان
من تاج السر حسن
الخرطوم ـ يورابيا ـ من تاج السر حسن ـ كشفت صحيفة واشنطن بوست في تقرير مروع عن الوضع الإنساني المتدهور داخل مدينة الفاشر السودانية المحاصرة، حيث يواجه مئات الآلاف من المدنيين مصيرًا مأساويًا بين الموت جوعًا، المرض، القصف المستمر، أو التعرض للاختطاف والاغتصاب والتعذيب أثناء محاولتهم الفرار. وتؤكد المنظمات الحقوقية أن سقوط الفاشر قد يشعل فتيل أكبر مذبحة في تاريخ الحرب الأهلية السودانية.
حصار خانق وهجمات شبه يومية
الفاشر، آخر مدينة في غرب دارفور خارج سيطرة قوات الدعم السريع شبه العسكرية، تحاصرها حالياً نحو 11 ألف جندي ومقاتل متحالف منذ أبريل/نيسان 2023. وتعتبر المدينة الملاذ الأخير لأكثر من 250 ألف شخص معظمهم نازحون هربوا من المجازر والدمار في مناطق أخرى.
يرتعد السكان من هجمات يومية متكررة تقصف من خلالها المدينة. شهدت الفاشر تدمير 35 من أصل 36 منشأة طبية، مع بقاء عيادة واحدة فقط تعمل جزئيًا، بينما أُجبر العديد من الأطباء على الاختباء خشية الاعتقال أو القتل. محطة المياه الرئيسية تعرضت للقصف المتكرر، مما أدى إلى انتشار وباء الكوليرا وسط نقص حاد في المساعدات الطبية والغذائية.
شهادات مأساوية من داخل الفاشر
تحدثت الصحيفة مع طبيب، ومسعف طوارئ، وعمال إغاثة، ومدنيين داخل المدينة الذين وصفوا ما يحدث بـ”الموت في كل مكان”. وأكدوا أنهم يعيشون في رعب دائم، حيث يُقتل الرجال أثناء التنقل، وتتعرض النساء والأطفال للاختطاف والاغتصاب أثناء البحث عن الطعام.
روت إحدى العائلات كيف اضطرت لأكل أوراق الأشجار وعلف الحيوانات، في ظل غياب أي مساعدات دولية منذ بدء الحصار. ووفقًا لعدة شهادات، لم تتلقَ المدينة أي إمدادات إنسانية منذ أبريل، رغم محاولات عدة لقوافل الأمم المتحدة كسر الحصار، والتي تعرضت لإحدى القوافل لهجوم أسفر عن مقتل خمسة أشخاص.
جرائم ضد الإنسانية في ظل صمت دولي
حذرت الأمم المتحدة من أن أفعال قوات الدعم السريع “قد ترقى إلى مستوى جريمة إبادة ضد الإنسانية”، فيما دعت الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تسمح بإيصال المساعدات، لكن قوات الدعم السريع لم ترد رسميًا على الدعوة.
ويُذكر أن البيان الحكومي السوداني رحب بالهدنة، لكنه لم يعلن أي خطوات عملية لوقف الحصار أو القتال.
هروب مأساوي ومراكز احتجاز قاسية
على مدى 16 شهرًا، فر ما يقرب من 600 ألف شخص من الفاشر والمناطق المحيطة بها. اللاجئون يعيشون في مخيمات مهجورة كانت قد أُنشئت في الأصل بعد إبادة دارفور قبل عقدين. الطرق المؤدية إلى المدينة مليئة بجثث القتلى، بينما يواجه الفارون خطر الاعتقال والاحتجاز في مراكز احتجاز مؤقتة تديرها قوات الدعم السريع، حيث يُحتجزون مقابل دفع فديات باهظة.
قالت إحدى النساء إنها تعرضت للسرقة والاعتداء أكثر من مرة أثناء محاولتها الهرب، بينما يتعرض أفراد قبيلة الزغاوة لأبشع الانتهاكات، بسبب خلافاتهم مع قوات الدعم السريع ذات الغالبية العربية.
حصار من الفضاء… جدران التراب تحكم القبضة
أظهرت صور الأقمار الصناعية من جامعة ييل أن قوات الدعم السريع بنت جدرانًا ترابية بطول 31 كيلومترًا حول المدينة، محكمة بذلك حصارها وتحويل الفاشر إلى “منطقة قتل حقيقية”. يُخشى من تكرار مذبحة الجنينة التي وقعت في مايو 2024، وأسفرت عن مقتل ما بين 10,000 إلى 15,000 مدني.
المجاعة البطيئة وانهيار الأسواق
مع استمرار الحرب، أدى التضخم وانقطاع الإمدادات إلى انهيار الأسواق داخل الفاشر. أصبح الحصول على الدقيق والحبوب حلما بعيد المنال، حيث بلغ سعر الكيلوغرام من الدقيق 30 دولارًا، والدخن 53 دولارًا.
ويضطر السكان للعيش على بقايا الفول السوداني المطحون المستخدم عادةً كعلف للحيوانات، والأعشاب البرية، ما يزيد من خطر التسمم الغذائي والمرض.
قصص مؤلمة من قلب الفاشر
روى عبد الله، أحد سكان المدينة، كيف تعرضت ابنته البالغة من العمر 14 عامًا للاعتداء الجنسي مع اثنتين أخريين أثناء محاولتهما جمع الأعشاب. وتركته ابنته تواجه الألم والجراح النفسية لوحدها بعد مقتل والدتها بقذيفة مدفعية. عبد الله ناشد المجتمع الدولي لإنقاذ المدنيين قائلاً: “بدونه، سنموت جميعًا، وسيلاحقكم العار إلى الأبد”.
كما تحدثت فاطمة، أم لأربعة أطفال، التي فقدت ثلاثة منهم أثناء فرارها من هجوم قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين، وقالت إن زوجها الذي خرج للبحث عن أبنائها لم يعد أبدًا.
قصف وحشي ومستشفيات تحت الضغط
شهدت المدينة قصفًا جويًا بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل 75 شخصًا أثناء صلاة الفجر في مسجد شمال غرب الفاشر. المسعفون يعملون في ظروف مأساوية، يستخدمون الناموسيات بدلاً من الشاش الطبي، ويعانون من نقص المطهرات والأدوية.
أحد الأطباء قال: “رغم كل ذلك، لن أغادر لأن مرضاي بحاجة لي”.
ممرات الخروج… أموال مقابل الحياة
مخارج الفاشر محدودة ومكلفة، حيث يدفع الفارون فدية تصل إلى 200 دولار للفرد للعبور، فيما يُحتجز من لا يملك المال في ظروف قاسية تحت حراسة مسلحة.
الأسر تعاني أثناء محاولتها جمع الأموال، والمرضى المصابون ينامون تحت الأشجار، محاصرين بدون أمل.
النزاع يتسع… ودعم خارجي مستمر
تغذي أطراف خارجية النزاع في السودان، إذ استخدمت قوات الدعم السريع طائرات مسيرة من إيران وتركيا. تقرير أمريكي كشف عن رحلات جوية من الإمارات لنقل أسلحة إلى هذه القوات، وهو ما نفته الإمارات رسميًا.
وقالت ليتيسيا بدر، نائبة مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “الجميع يدركون حجم المعاناة والجرائم، لكن لا أحد مستعد للضغط على قوات الدعم السريع وداعميها لوقف الفظائع. نحن فقط نشاهد جرائم الحرب تحدث أمام أعيننا في الوقت الحقيقي.”
يبدو أن الفاشر تقف على حافة كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث يعيش السكان تحت حصار قاتل، يعانون الجوع والمرض والقتل المستمر، وسط غياب فعلي للمساعدات الدولية واستمرار القتال بلا توقف. المجتمع الدولي مطالب الآن بالتحرك العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول الفاشر إلى شاهد دامٍ على واحدة من أكبر المآسي في القرن الحادي والعشرين.
