السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

فلورا حسيني امرأة في الظل تقود معارك الاستخبارات بين عواصم الصراع ودهاليز القرار من ألبانيا

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ في عالم الاستخبارات المحكوم برجال ذوي بدلات داكنة ووجوه جامدة، تبرز فلورا حسيني كاستثناء نادر، وربما فريد. مديرة جهاز الاستخبارات الألباني الحالي (SHISH)، والوحيدة في العالم التي ترأست جهازي استخبارات في بلدين مختلفين – ألبانيا وكوسوفو – بقبضة من حديد وأناقة لا تُخفى. بكعبها العالي وبدلتها المفصلة وشعرها المندفع بالريح، دخلت مؤتمر رؤساء أجهزة الاستخبارات الإفريقية (CISSA) في بنغازي – ليبيا، أواخر أغسطس، كعنصر غريب في صورة تقليدية لرجل في الخمسين ببزة عسكرية أو نظارات سوداء.

لكن ما يبدو شكلًا خارج السياق، يخفي وراءه شبكة نفوذ معقدة، ممتدة من تيرانا إلى واشنطن، ومن كابول إلى طهران.

صعود استثنائي في عالم استخباراتي ذكوري

حين عُينت فلورا حسيني على رأس جهاز SHISH عام 2023، كان ذلك تتويجًا لمسار غير تقليدي بدأ في كوسوفو، حيث شغلت سابقًا منصب المديرة المؤقتة لجهاز الاستخبارات الوطني هناك (KIA). قرار إزاحتها من المنصب في كوسوفو كان رسميًا بسبب “انعدام الثقة”، لكن مصادر داخلية قالت إن الأمر كان سياسيًا بامتياز، إذ خشيت القيادة الجديدة في بريشتينا من بروزها كعنصر قوة مستقل في لعبة السلطة الداخلية.

لم يكن ذلك نهاية مشوارها، بل بدايته الحقيقية. في ألبانيا، أصبحت حسيني المستشارة الأمنية لرئيس الوزراء إدي راما، ثم سرعان ما قفزت إلى قمة جهاز الاستخبارات، مستفيدة من ثقة أمريكية لافتة، تجسدت في لقاءات رفيعة جمعتها مع مدير الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ولاحقًا مع مديرة الاستخبارات الوطنية في إدارة بايدن أفريل هاينز.

 ألبانيا: الدولة الصغيرة التي تُدير صراعات الكبار

بحسب مسؤول استخبارات أمريكي سابق، فإن ألبانيا، ومن خلفها جهاز SHISH، تحولت في عهد حسيني إلى “حليف صغير، متكتم لكنه جدير بالثقة”. هذا التوصيف لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بسلسلة من الأدوار الحساسة التي قامت بها الدولة البلقانية في ملفات شائكة:

  • بعد انسحاب أمريكا من أفغانستان عام 2021، استقبلت ألبانيا مئات الأفغان المرتبطين بالمشروع الأمريكي.

  • منذ 2013، استضافت البلد تنظيم “مجاهدي خلق” الإيراني المعارض لطهران، في مجمع شبه مغلق تحيطه الكاميرات والأسلاك الشائكة.

  • في 2013 أيضًا، وافقت مبدئيًا على استقبال مخزونات كيميائية سورية، قبل أن تتراجع تحت ضغط الشارع.

حسيني هي العقل المدبر لهذا “الحياد النشط”، الذي يجعل من ألبانيا مضيفًا لصراعات لا تخوضها بنفسها، لكنها تكسب منها نفوذًا دوليًا.

 SHISH: الاستخبارات الصغيرة التي تلعب أدوارًا كبيرة

في قلب هذا النهج تقع شراكة استخباراتية متنامية مع إيطاليا، تحديدًا في ملف الهجرة غير النظامية من ليبيا. SHISH أصبح الذراع المنفذ في ترتيبات بين روما وطرابلس، تضمنت إنشاء مراكز استقبال مؤقتة في ألبانيا للمهاجرين الذين تعترضهم البحرية الإيطالية. حسيني، جنبًا إلى جنب مع نظيرها الإيطالي جيوفاني كارافيلي، نسّقت هذه الخطة الحساسة، لتصبح ألبانيا بوابة أوروبية جديدة لحجز المهاجرين، تحت غطاء قانوني وإنساني هش.

 مجاهدو خلق: المعسكر المغلق الذي أقلق طهران

من أبرز الملفات التي تُظهر بصمة هيسيني الأمنية، ما يتعلق بمعسكر MEK، التنظيم الإيراني المعارض الموجود قرب تيرانا. المعسكر، الذي يأوي أكثر من 3000 شخص، تحول إلى قاعدة رقمية تبث محتوى مناهضًا للنظام الإيراني. أدى ذلك إلى نشاط استخباراتي مكثف لطهران داخل ألبانيا، شمل محاولات اختراق وتجنيد وتنفيذ هجمات رقمية.

في يونيو 2023، داهمت الشرطة الألبانية المعسكر وصادرت أجهزة وحواسيب، ما أدى إلى مواجهات عنيفة وإصابة عشرات من الجانبين. لكن الغريب أن العملية تمت بمصادقة أمريكية مباشرة، عبر وزارة الخارجية، في دليل جديد على العلاقة العضوية بين SHISH ووكالات واشنطن.

 هيسيني وصراع الهويات: من كوسوفو إلى بلغراد

الهوية الألبانية لحسيني ليست مجرد انتماء قومي، بل مكون استخباراتي في حد ذاته. في كوسوفو، عملت على تفكيك شبكات التأثير الصربي والروسي في المناطق ذات الأغلبية الألبانية. أما اليوم، فالمعركة انتقلت معها إلى SHISH، حيث تسعى لتثبيت ألبانيا كخط دفاع أمامي لحلف الناتو ضد الاختراق الروسي والإيراني في البلقان.

حتى في لحظات “اللاسياسة”، تظل الرسائل مشفّرة: في يونيو، ظهرت حسيني في مدرجات أحد الملاعب، مرتدية قميص المنتخب الألباني، خلال مباراة تصفيات كأس العالم ضد صربيا. الخصم كان واضحًا، والموقف كذلك.

 القوة الناعمة والصلبة معًا

رغم موقعها غير المعروف نسبيًا في الإعلام الدولي، تبدو فلورا حسيني اليوم كأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في الأمن الأوروبي الهامشي. سيدة تقود في الظل، تجمع بين الرمزية السياسية والصرامة الأمنية، وتعيد تشكيل صورة جهاز استخبارات خرج من رماد الشيوعية إلى نقطة ارتكاز غربية في منطقة مضطربة.

في النهاية، ليس من المبالغة القول إن نفوذ حسيني المتصاعد لا يرتكز فقط على العلاقات، بل على رؤية استراتيجية مدروسة: ألبانيا الصغيرة، شريك الكبار، ومضيف دائم لصراعات لا تنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى