السلايدر الرئيسيالعالم

ضوء أخضر بلا تفويض.. كيف سيضرب ترامب إيران دون موافقة الكونغرس؟

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ في ظل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، ومع تزايد الحديث عن خيارات عسكرية محتملة قد تتخذها إدارة الرئيس دونالد ترامب، عاد الجدل القانوني والسياسي القديم حول صلاحيات الرئيس الأمريكي في شن الحروب دون تفويض من الكونغرس إلى الواجهة. هذا الجدل ليس جديدًا، لكنه يأخذ طابعًا أكثر إلحاحًا عندما يتعلق الأمر بإيران، نظراً لحساسية الموقف الإقليمي، والتداعيات الدولية لأي قرار عسكري أمريكي منفرد.

من الناحية الدستورية، يُمنح الكونغرس بموجب المادة الأولى من الدستور الأمريكي السلطة الحصرية لإعلان الحرب. في المقابل، يُعدّ الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة بموجب المادة الثانية، ما يتيح له اتخاذ قرارات عسكرية محددة بصفته المسؤول التنفيذي الأول عن الأمن القومي. لكن الفجوة بين هاتين السلطتين ظلّت محل نزاع وتأويل منذ عقود، خاصة بعد حروب كبرى شنتها الولايات المتحدة دون إعلان رسمي من الكونغرس.

في عام 1973، سعى الكونغرس إلى تقليص هذه الهوة من خلال إقرار “قانون صلاحيات الحرب”، الذي يُلزم الرئيس بإبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء أي عملية عسكرية، ويمنحه مهلة لا تتجاوز 60 يومًا (مع 30 يومًا إضافية للانسحاب) قبل أن يُطلب تفويضًا رسميًا لاستمرار التدخل العسكري. غير أن هذا القانون ظلّ موضع تجاهل نسبي من معظم الرؤساء الأمريكيين، الذين لطالما اعتبروا أن الظروف الطارئة، ومقتضيات الأمن القومي، تمنحهم هامش تحرك واسعًا.

في حالة الرئيس ترامب، فإن الضربة الجوية التي أمر بها في يناير 2020 والتي أدت إلى مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، مثّلت نموذجًا واضحًا لاستخدام السلطة التنفيذية في تنفيذ عمل عسكري مهم دون الرجوع المسبق إلى الكونغرس. ترامب برر الضربة بأنها إجراء دفاعي استباقي لدرء “تهديد وشيك”، وهو مبرر تستخدمه الإدارات الأمريكية عندما تسعى إلى الالتفاف على الحاجة إلى التفويض التشريعي. لكن هذه الخطوة، رغم فعاليتها العسكرية، أثارت موجة اعتراض داخل الكونغرس، حيث رأى العديد من المشرعين أنها تجاوز للسلطات الممنوحة للرئيس.

من هنا يمكن القول إن ترامب، أو أي رئيس أمريكي، يستطيع قانونيًا، ووفقًا للممارسة السياسية المتكررة، أن يوجّه ضربة محدودة إلى إيران دون الرجوع المسبق إلى الكونغرس، بشرط أن يقدّم مبررات تتعلق بالأمن القومي أو حماية القوات الأمريكية. ومع ذلك، فإن شنّ حملة عسكرية واسعة أو الدخول في حرب مفتوحة وممتدة، يظل خاضعًا للتفويض التشريعي، وإلا فإن العملية ستكون مخالفة للدستور وقانون صلاحيات الحرب.

المشكلة أن هذه القواعد كثيرًا ما تُفرَّغ من مضمونها في الممارسة الفعلية. فعلى مدار العقود الماضية، شنت الولايات المتحدة ضربات وعمليات عسكرية في ليبيا وسوريا والعراق دون أن تُعلَن حرب رسمية، واكتفى الرؤساء بتبرير هذه التحركات على أنها تدخلات محدودة لا تستدعي موافقة الكونغرس. هذا الواقع يجعل من حدود سلطة الرئيس في الشؤون العسكرية مسألة مرنة تتغير بتغير السياقات السياسية والضغوط الميدانية.

في الوقت الحالي، ومع التلويح بإمكانية ضرب منشآت إيرانية، يتجدّد السؤال حول ما إذا كان ترامب سيتخذ قرارًا من هذا النوع دون الرجوع للكونغرس. السيناريو الأقرب هو أنه سيلجأ إلى الخيار المحدود – أي تنفيذ ضربة جوية أو سيبرانية أو لوجستية تستهدف مواقع بعينها – ويعرضها على أنها إجراء وقائي أو رد على استفزازات. لكن إذا تحوّلت العملية إلى حملة موسعة، فإن الكونغرس قد يجد نفسه مضطرًا للرد، سواء عبر تشريع ملزم أو من خلال التصعيد السياسي والإعلامي.

بعبارة أخرى، يمكن لترامب أن يضرب إيران، ويمكنه أن يفعل ذلك بسرعة ودون إذن مسبق. لكن السؤال الحقيقي ليس هل يستطيع، بل إلى أي مدى يمكنه أن يفلت من العواقب السياسية والدستورية لمثل هذه الخطوة، خاصة إذا دخلت البلاد في نزاع مفتوح لم يُفوَّض به قانونيًا.

في نهاية المطاف، تبقى سلطة الرئيس الأمريكي في استخدام القوة العسكرية منطقة رمادية بين القانون والتقاليد السياسية، ويبدو أن ترامب، كما فعل سابقوه، يُدرك جيدًا كيف يتحرك ضمن هذه المنطقة دون أن يتجاوز الخط الأحمر الذي يستفز الكونغرس بما يكفي لردعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى