سباق ما بعد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يشتعل والبرغوثي يعيد خلط أوراق السلطة من خلف القضبان
من سعيد العامودي

غزة ـ يورابيا ـ من سعيد العامودي ـ مع استمرار التقدم في المباحثات الجارية بشأن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة “حماس”، تزايدت التكهنات في الأوساط الفلسطينية بشأن مصير عدد من أبرز القيادات المعتقلة في السجون الإسرائيلية، وفي مقدمتهم مروان البرغوثي، الذي يقضي خمسَ أحكامٍ بالسجن المؤبد إضافة إلى أربعين عامًا، ويُعد أحد الرموز الفلسطينية ذات الثقل السياسي والشعبي، خصوصًا في الضفة الغربية.
ويحظى البرغوثي بمكانة رفيعة بين الفلسطينيين، حيث يُنظر إليه من قبل شريحة واسعة على أنه المرشح الأوفر حظًا لقيادة السلطة الفلسطينية خلفًا للرئيس محمود عباس (أبو مازن)، الذي يتولى منصب الرئاسة منذ عام 2005 دون إجراء انتخابات رئاسية جديدة حتى اليوم.
وفي ظل هذه المعطيات، نقل موقع “واينت” الإسرائيلي عن مصادر فلسطينية مطّلعة تأكيدها أن حركة “حماس” تصر على إدراج اسم البرغوثي ضمن أي صفقة تبادل أسرى قادمة، رغم أن مصادر إسرائيلية نفت أن يكون اسمه قد طُرح في جولات المفاوضات الأخيرة حتى الآن.
وذكرت تلك المصادر أن زعيم حركة “حماس” في غزة الراحل يحيى السنوار، قدّم التزامًا شخصيًا لزوجة البرغوثي، فدوى البرغوثي، بإطلاق سراح زوجها، مشيرًا إلى أنه أقسم لها على المصحف الشريف بأنه سيعمل على تحقيق هذا الهدف. وأضافت المصادر أن قيادة “حماس” ترى في البرغوثي ورقة تفاوضية محورية لا ينبغي التنازل عنها.
ورغم الحديث عن احتمال ترحيله إلى دولة ثالثة مثل قطر حال الإفراج عنه، أكدت مصادر فلسطينية أن للبرغوثي قدرة عالية على التأثير السياسي، حتى من خارج الأراضي الفلسطينية.
وقال أحد المصادر: “البرغوثي يستطيع أن يتولى رئاسة منظمة التحرير حتى من خارج فلسطين. إنه الشخصية الوحيدة القادرة على توحيد الصف الفلسطيني، ويُذكّر الجميع بكاريزما ياسر عرفات، بحكمته وشجاعته وحضوره الطاغي”.
فراغ سياسي وكرسي رئاسةٍ على حافة الاهتزاز
يعكس الحديث المتصاعد حول البرغوثي وتعقيدات ملفه، مدى الانسداد السياسي الذي تعيشه الساحة الفلسطينية منذ سنوات. فالرئيس عباس لم يجرِ انتخابات رئاسية منذ قرابة عقدين، فيما أصيب المجلس التشريعي بالشلل التام منذ انتخابات 2006. كما أن الانقسام بين حركتي “فتح” و”حماس”، منذ عام 2007، عمّق الأزمة المؤسسية، وجعل مستقبل القيادة الفلسطينية موضع تساؤل جدي في الداخل والخارج.
في هذا السياق، يُطرح اسم حسين الشيخ، نائب عباس ومستشاره المقرب، كمرشح رسمي لخلافته. يتمتع الشيخ بعلاقات جيدة مع إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنه لا يحظى بشعبية تُذكر بين أوساط الفلسطينيين. وقد جرى تعيينه مؤخرًا في منصب جديد في منظمة التحرير الفلسطينية، تحت ضغط دولي – خاصة من أطراف عربية وأمريكية – بهدف الدفع نحو إصلاحات هيكلية.
سباق خلافة معقد ومفتوح
لكن المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو. فبالإضافة إلى الشيخ، يبرز كل من محمد دحلان، القائد المفصول من “فتح” والمقيم في الإمارات، والذي لا يزال يتمتع بحضور شعبي في قطاع غزة، على الأقل في رأي أنصاره؛ وجبريل الرجوب، القائد الأمني السابق ورئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، الذي يسوّق نفسه باعتباره رجل المرحلة المقبلة؛ إضافة إلى مروان البرغوثي، الذي يعتبره كثيرون “أسير القيادة” و”رمز الوحدة”.
وتتابع “حماس” هذا المشهد عن كثب، محذّرة من أن أي تعيين أحادي الجانب – خاصة فيما يتعلق بحسين الشيخ – دون توافق وطني أو انتخابات، من شأنه أن يُعمّق الانقسام الداخلي، ويفجّر الأوضاع في الضفة الغربية وغزة على حد سواء. كما ترى أن هناك فرصة لإعادة خلط الأوراق، وربما استعادة ما تحقق لها في انتخابات 2006، إذا ما أُجريت انتخابات جديدة تحت عنوان “خلافة عباس”.
ما بعد عباس.. مفترق طرق فلسطيني وإقليمي
تتجاوز معركة خلافة الرئيس الفلسطيني الأبعاد الداخلية، لتُصبح معركة حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بأسره، وعلاقة السلطة بالاحتلال، وبالعالم العربي والدولي. فالشخصية التي ستخلف عباس لن تحدد فقط مصير التنسيق الأمني، بل ستعيد تشكيل العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وربما تُعيد تعريف استراتيجية النضال الفلسطيني للسنوات القادمة.
في هذا السياق، يُنظر إلى إطلاق سراح مروان البرغوثي – إن تحقق – ليس فقط كحدث إنساني أو رمزي، بل كخطوة قد تعيد ترتيب الخارطة السياسية الفلسطينية بأكملها، وتُعيد فتح الطريق نحو مصالحة وطنية حقيقية، أو تضع السلطة أمام استحقاقات سياسية عميقة لا مفر من مواجهتها.