دافيد زيني رئيسًا لجهاز الشاباك الإسرائيلي.. خلفية عسكرية ودينية وأصول جزائرية وله 11 طفلا وجدل سياسي وأمني واسع
من سعيد العامودي
غزة ـ يورابيا ـ من سعيد العامودي ـ كتبت صحيفة “هآرتس” أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فتح صفحة جديدة ومثيرة للجدل في تاريخ جهاز الأمن العام “الشاباك”، بتعيينه اللواء المتقاعد ديفيد زيني على رأس الجهاز، في قرار أثار عاصفة من الاعتراضات داخل الأوساط الأمنية والسياسية في تل أبيب.
وأضافت الصحيفة أن زيني، وهو شخصية ذات خلفية دينية متشددة وعلاقات وثيقة بنتنياهو، تم تعيينه خلفًا لرونين بار، الرئيس السابق للجهاز، الذي أُقيل رسميًا في يونيو/حزيران 2025 بعد خلافات عميقة مع نتنياهو حول تداعيات فشل التصدي لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي ترك إسرائيل في صدمة أمنية لم تتعافَ منها بعد.
تعيين مثير للجدل
وقالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن لجنة “غرونيس” الحكومية العليا، المختصة بتعيين كبار المسؤولين، صدّقت على تعيين زيني في 25 سبتمبر/أيلول 2025، بعد أسابيع من الجدل، وسط تحفّظات قانونية وسياسية.
وأوضحت الصحيفة أن التعيين جرى تمريره بسرعة ودون مشاورات واسعة مع القيادات الأمنية، بل “عُرض على زيني خلال لقاء مغلق داخل سيارة نتنياهو الخاصة”، في سابقة اعتبرها مراقبون تجاوزًا للأعراف المؤسسية المتّبعة في مثل هذه التعيينات الحساسة.
وعلى الرغم من أن الحكومة لم تصوّت رسميًا على التعيين خلال جلسة 28 سبتمبر بسبب وجود نتنياهو في واشنطن، فإن المؤشرات كانت توحي بأن التعيين أصبح شبه محسوم، في ظل دعم الائتلاف الحاكم الكامل للمرشح.
من هو ديفيد زيني؟
ولد ديفيد زيني عام 1974 في القدس، لأسرة يهودية من أصول جزائرية، ونشأ في مدينة أسدود، وسط بيئة دينية محافظة. والده هو الحاخام يوسف زيني، المعروف بمواقفه المتشددة، وجده هو الحاخام الشهير مائير زيني، أحد رموز اليهود الجزائريين.
ينحدر زيني من عائلة حاخامية تضم عشرة أبناء، وتلقى تعليمه المبكر في مدارس دينية توراتية، قبل أن ينخرط في صفوف الجيش الإسرائيلي، حيث كانت بداياته في لواء جولاني، أحد أكثر ألوية النخبة العسكرية شهرة في إسرائيل.
يعيش حاليًا في مستوطنة “كيشت” في مرتفعات الجولان المحتلة، وهو متزوج وله 11 طفلًا، ويحمل شهادة بكالوريوس في التربية، ودرجة ماجستير في الأمن القومي والإدارة العامة.
مسيرة عسكرية لافتة
قالت صحيفة “معاريف” إن زيني يتمتع بسجل حافل في العمل العسكري الميداني. وقد انضم إلى الجيش عام 1992، وتدرج في المناصب القتالية، فقاد سرايا وكَتائب في جولاني، كما شارك في حروب غزة ولبنان، وتولى لاحقًا قيادة وحدة “إيجوز” الخاصة خلال عملية “الرصاص المصبوب” ضد غزة عام 2008-2009.
وتشير الصحيفة إلى أن زيني كان له دورٌ بارز في حرب 2014 على غزة (“العصف المأكول”)، حيث تسلّم قيادة لواء جولاني مؤقتًا بعد إصابة قائده غسان عليان، وأدار معركة الشجاعية الدامية شرق غزة.
وفي عام 2015، أسّس لواء الكوماندوز “عوز”، وقاده كأول قائد له، ثم عُيّن لاحقًا قائدًا للمركز الوطني للتدريب البري، قبل أن يُعيّن عام 2023 في قيادة التدريب والتأهيل في الجيش الإسرائيلي.
رجل نتنياهو المفضّل
تقول صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” إن ديفيد زيني “لم يكن الخيار الأول”، بل جاء بعد تراجع نتنياهو عن تعيين الأدميرال إيلي شارفيت بسبب مشاركته في احتجاجات ضد “الإصلاح القضائي”. لكن اختيار زيني، بحسب محللين، لم يكن فقط قرارًا وظيفيًا بل “رسالة سياسية واضحة”.
ويرى مراقبون أن زيني يتمتع بولاء كامل لنتنياهو، وقد تم اختياره لقطع الطريق على أي تحقيقات مستقبلية قد تطال رئيس الوزراء، خصوصًا في قضية “قطر غيت”، حيث اتُهم مقربون من نتنياهو بتلقي تمويلات غير مشروعة من الدوحة.
قطر غيت.. والغطاء السياسي
ذكرت قناة “13” الإسرائيلية أن زيني لن يتعامل مع ملف “قطر غيت”، وهو التحقيق الذي أطلقه الشاباك سابقًا في شبهات حصول اثنين من مساعدي نتنياهو على أموال من شركة علاقات عامة مرتبطة بالحكومة القطرية، بهدف تحسين صورة الدوحة لدى صناع القرار الإسرائيلي.
وفي مارس 2025، تم اعتقال المستشار الإعلامي يوناتان أوريش، والمتحدث باسم نتنياهو إيلي فيلدشتاين، ووُضعا تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يُفرج عنهما لاحقًا وسط تدخلات سياسية وقانونية مكثفة.
رفضت قطر جميع الاتهامات ووصفتها بـ”المفبركة”، في حين أصر نتنياهو على أن القضية “مؤامرة تهدف إلى إسقاط الحكومة اليمينية”.
اعتراضات واسعة داخل جهاز الشاباك
كشفت صحيفة “هآرتس” أن لجنة “غرونيس” تلقت أكثر من 10 آلاف التماس شعبي ورسمي ضد تعيين زيني، منها رسائل وقعها أربعة رؤساء سابقين للشاباك، وهم: نداف أرغمان، عامي أيالون، يورام كوهين، وكرمي غيلون.
وحذر المعترضون من أن زيني “لا يملك الخبرة الأمنية اللازمة”، وأن “توجهاته الدينية والسياسية المتشددة، وعلاقته الشخصية بنتنياهو، تهدد حيادية الجهاز واستقلاليته”.
وأكد يورام كوهين في رسالته أن “زيني قد يُستغل لتنفيذ أجندة سياسية، في انتهاك للمهنية والشفافية التي يُفترض أن يتحلى بها هذا المنصب الحساس”.
مواقف متطرفة وتصريحات مثيرة
تقول صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن سجل زيني الشخصي والعائلي يحتوي على مؤشرات مقلقة. فقد نُقل عنه في اجتماعات خاصة أنه وصف المحكمة العليا الإسرائيلية بأنها “ديكتاتورية قضائية تحكم البلاد”.
أما والده الحاخام يوسف زيني، فذهب أبعد من ذلك، حين قال في تسجيل صوتي مسرّب إنه “يأمل أن تنفجر المحكمة العليا”، ما دفع شرطة لواء الجنوب إلى محاولة فتح تحقيق بحقه، قبل أن يتم التراجع عنه في اللحظات الأخيرة.
استقالات محتملة داخل الشاباك
ذكرت قناة “كان” العبرية أن عددا من المسؤولين الحاليين في جهاز الشاباك هددوا بتقديم استقالاتهم فور تسلم زيني منصبه، معتبرين أن تعيينه “إهانة لمهنية الجهاز وتاريخه”.
وأضافت القناة أن مسؤولين أمنيين وصفوا التعيين بأنه “محاولة لتسييس الشاباك”، وتحويله إلى أداة بيد الحكومة، بدلًا من كونه جهازًا مستقلاً يعمل وفق معايير مهنية صارمة.
انقسام في المجتمع الإسرائيلي
قالت صحيفة “ذا ماركر” الاقتصادية إن تعيين زيني يُعيد إلى الواجهة النقاش حول “تديين” المؤسسات الأمنية والمدنية في إسرائيل، مشيرة إلى أن تركيبة زيني العائلية والدينية، وارتباطه بأيديولوجيا متشددة، يعمّق الشرخ بين التيارين العلماني والديني في البلاد.
ووصفت الصحيفة التعيين بأنه “جزء من مشروع أوسع يقوده نتنياهو لإعادة صياغة هوية مؤسسات الدولة، بما يضمن السيطرة الكاملة على أجهزة الأمن والقضاء”.
