صحيفة إسرائيل هيوم: انفصال جنوب اليمن مقابل التطبيع مع تل ابيب.. خطة الزبيدي الطموحة تعيد رسم خريطة اليمن والمنطقة
من سعيد سلامة
لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة “إسرائيل هيوم” العبرية إن دعوة نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، عيدروس الزبيدي، لإقامة دولة جنوبية مستقلة تسعى للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، تحمل في طياتها تغييرات محتملة على المشهد السياسي اليمني، وتفتح الباب أمام إسرائيل لاختراق جيوسياسي غير مسبوق في واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط اضطرابًا.
وأضافت الصحيفة أن هذه الدعوة المفاجئة تزامنت مع تصاعد التوتر في المنطقة نتيجة الهجمات الحوثية المستمرة على إسرائيل، بدعم مباشر من إيران، في ظل انكشاف خطوط التماس البحرية وتزايد المخاطر في باب المندب والبحر الأحمر.
تحول مفصلي في خريطة النزاع
وأوضحت “إسرائيل هيوم” أن الزبيدي، الذي يشغل كذلك رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، أطلق دعوته خلال مقابلة صحفية أجراها مع صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية في 25 سبتمبر/أيلول 2025، معلنًا أن الجنوب اليمني “أصبح جاهزًا سياسيًا وجيوسياسيًا للاستقلال الكامل”، ومشدّدًا على أن الوقت قد حان للإعلان عن دولة جنوبية جديدة.
وتابعت الصحيفة أن الزبيدي لم يكتف بالتأكيد على الجاهزية الميدانية والسياسية للانفصال، بل ربط مستقبل هذه الدولة الجديدة مباشرة بخيار التطبيع مع إسرائيل، عندما صرّح بأن “الانسحاب من الوحدة مع الشمال سيمكن الجنوب من صياغة سياسة خارجية مستقلة، قد تشمل الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام”.
ما بعد غزة.. الحسابات الجديدة
وفي ظل استمرار الحرب في غزة وتبعاتها الإقليمية، شدد الزبيدي – بحسب الصحيفة – على أن “أي اتفاق تطبيع يجب أن يرتبط بشكل مباشر بتحقيق العدالة للفلسطينيين”، لكنه لم يُغلق الباب أمام إمكانية السير بهذا المسار حال تغيرت المعطيات. وقال: “إذا استعادت غزة وفلسطين حقوقهما، فإن هذه الاتفاقيات ستكون أساسية لاستقرار المنطقة”.
كما نقلت الصحيفة عن مقابلة أخرى أجراها الزبيدي مع الغارديان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد فيها بوضوح أن “حل الدولتين داخل اليمن هو المسار الأنسب للاستقرار”، وأشار إلى أن “الواقع الميداني يعكس أصلًا وجود دولتين، شمالية خاضعة للحوثيين، وجنوبية محررة نسبيًا”.
صراع بلا تسوية.. واقع منقسم
وركزت “إسرائيل هيوم” على قول الزبيدي بأن لا حل سياسي ممكن مع الحوثيين، مؤكدًا أن “لا القصف الجوي سيُخرجهم من صنعاء، ولا المفاوضات ستفضي إلى تسوية”. واعتبر أن “الجنوب لا يمكن أن يقبل الشراكة مع جماعة مسلحة تُصنّف إرهابية دوليًا، وتُصعّد عسكريًا على خطوط الملاحة الدولية”.
ورأت الصحيفة أن هذه التصريحات لا تعكس فقط شرخًا داخليًا متصاعدًا داخل اليمن، بل تُمهّد أيضًا لفرصة استراتيجية غير مسبوقة بالنسبة لإسرائيل، مشيرة إلى أن “مشروع الانفصال، رغم تعقيداته، قد يحمل مكاسب سياسية وأمنية لإسرائيل في حال تم ربطه بالتطبيع”.
الانفصال: فكرة قديمة.. تعود بقوة
أوضحت الصحيفة العبرية أن فكرة تقسيم اليمن ليست وليدة اللحظة، بل إنها تعود إلى فترة ما قبل الوحدة عام 1990، حيث كان الجنوب اليمني جمهورية مستقلة ذات توجه اشتراكي بين 1967 و1990. لكن منذ ذلك الحين، ظلت الانقسامات قائمة، بل وتعززت بفعل الحرب، والآن، بحسب الزبيدي، حان وقت تفعيل الانفصال “كدولة ذات سيادة تستحق الاعتراف الدولي”.
وأضافت أن الزبيدي ومؤيديه يرون في هذه الدولة المحتملة نموذجًا للاستقرار والتنمية، مستندين إلى امتلاك الجنوب للبنوك، والموانئ، ومصافي النفط، ما يجعل منها “كيانًا قادرًا على حماية مضيق باب المندب، ومكافحة نفوذ إيران، واحتواء التهديدات الإرهابية في المنطقة”.
صراع طائفي وهوية متضادة
أشارت الصحيفة إلى الفروقات العميقة بين طرفي الصراع. فالحوثيون، وفق وصفها، حركة شيعية زيدية مدعومة مباشرة من إيران، تحمل توجهًا دينيًا واضحًا، وتُعد رأس حربة المحور الإيراني في شبه الجزيرة. أما المجلس الانتقالي الجنوبي، فيتشكل من غالبية سنية، على نمط التركيبة السكانية في دول الخليج، ويُقدّم نفسه كحركة قومية جنوبية تسعى للاستقلال وتقرير المصير.
وأكدت الصحيفة أن المجلس الانتقالي ليس فصيلًا دينيًا، بل يركز على الهوية الوطنية والسيادة الجنوبية، ويحظى بدعم لوجستي واقتصادي وعسكري من كل من السعودية والإمارات، ما يجعله – بحسب وصفها – “جزءًا من المعسكر العربي السُني المناهض لإيران”.
قوة على الأرض.. بدعم إماراتي سعودي
نقلت “إسرائيل هيوم” تقديرات استخباراتية تفيد بأن القوات الجنوبية الموالية للمجلس الانتقالي، والتي تحظى بدعم إماراتي، تتراوح بين 150 إلى 200 ألف مقاتل، تشمل تشكيلات عسكرية منظمة تنتشر في عدن والمناطق الساحلية الجنوبية.
وبحسب الصحيفة، فإن هذه القوة تُعد الكتلة الأكثر تنظيمًا على الأرض مقارنة ببقية الفصائل، بما في ذلك قوات طارق صالح أو الفصائل المحلية الأخرى، فيما يسيطر الحوثيون على الشمال بقوة مماثلة من حيث العدد، لكنها تعتمد على الدعم الإيراني لتطوير قدرات متقدمة في الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.
وأضافت الصحيفة أن المجلس الانتقالي يشغل 3 من أصل 8 مقاعد في مجلس القيادة الرئاسي، ما يمنحه قدرًا من الشرعية الإقليمية والدولية، وإن ظلت العلاقات بين مكوناته متوترة أحيانًا.
بوابة تطبيع؟ إسرائيل تراقب
اعتبرت “إسرائيل هيوم” أن حديث الزبيدي عن ربط مشروع الدولة الجنوبية بالتطبيع مع إسرائيل يحمل دلالات استراتيجية هامة، خاصة في وقت تواجه فيه تل أبيب عاصفة سياسية في علاقتها مع العالم العربي عقب هجوم الدوحة، وتورط الحوثيين في حرب غزة.
وأضافت الصحيفة أن موقف الزبيدي “يتناقض جذريًا مع خط الحوثيين”، مشيرة إلى أن إسرائيل قد ترى في هذا المشروع نافذة لخلق حليف إقليمي جديد على أطراف البحر الأحمر، ما يمنحها نقاط ارتكاز بحرية وأمنية حيوية، لا سيما قرب مضيق باب المندب.
كما رأت الصحيفة أن تأسيس دولة جنوبية قريبة من المحور الخليجي-الغربي “سيحد من النفوذ الإيراني، ويقلل من فعالية الحوثيين في استهداف الملاحة، ويوفر حاجزًا متقدمًا ضد الحركات المتطرفة”.
إعادة تشكيل التوازن الإقليمي
في خاتمة تحليلها، قالت “إسرائيل هيوم” إن تصريحات الزبيدي تمثل أكثر من مجرد طموح سياسي محلي، بل هي تعبير عن تحوّل عميق في المعادلة اليمنية والإقليمية. وأضافت أن الوضع في اليمن بات أقرب إلى “واقع دولتين”، وأن المجتمع الدولي سيُجبر، عاجلًا أم آجلًا، على التعامل مع هذا الانقسام باعتباره أمرًا واقعًا.
وختمت الصحيفة بالقول إن المشروع الجنوبي، إذا حاز اعترافًا دوليًا، فقد يغيّر توازنات المنطقة بأكملها، ويمنح إسرائيل – لأول مرة – شريكًا محتملاً على أطراف اليمن، في وقت تزداد فيه الحاجة لتحالفات إقليمية جديدة لمواجهة طموحات إيران وتبعات الحرب في غزة.
