العلاقات بين لبنان وإيران على المحك وسط تصاعد المواجهة حول سلاح حزب الله
من الياس الياس
بيروت ـ يورابيا ـ من الياس الياس ـ ي ظل متغيرات سياسية متسارعة على الساحة اللبنانية، حذر المعهد الإيطالي للشؤون الدولية من أن العلاقات بين لبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه خطر التدهور الحاد، نتيجة تصاعد التوتر حول مستقبل سلاح حزب الله. وبينما تسعى الرئاسة اللبنانية الجديدة برئاسة جوزيف عون إلى ترسيخ السيادة الوطنية وتحقيق احتكار الدولة لاستخدام السلاح، تتمسك طهران بالحفاظ على حليفها الاستراتيجي في بيروت كجزء أساسي من ما يُعرف بـ”محور المقاومة”.
ويرى المعهد أن حزب الله، الذي نشأ بدعم إيراني مباشر منذ الثمانينيات، يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، وسط خسائر عسكرية، وضغوط سياسية متزايدة من الداخل والخارج، وفتور دولي متزايد إزاء استمراره كقوة عسكرية موازية للدولة. في المقابل، ترفض إيران أي محاولة لنزع سلاح الحزب، معتبرة إياه ركيزة في سياستها الإقليمية وردعها ضد إسرائيل.
وفي الوقت الذي شددت فيه بيروت مؤخراً على منع الطيران الإيراني من استخدام أجوائها، وتجميد الدعم المالي للميليشيا الشيعية، لم تتأخر طهران في الرد عبر تصريحات حادة من سفيرها في بيروت، ما أثار موجة توتر دبلوماسي وأعاد إلى الواجهة السؤال: هل ينجح لبنان في استعادة سيادته العسكرية دون الانزلاق إلى صدام داخلي؟
وقال المعهد في تقرير تحليلي جديد إن أهمية حزب الله بالنسبة لإيران – بوصفه أحد أعمدة ما يعرف بـ”محور المقاومة” – تدفع طهران إلى التمسك بالحفاظ على سلاح الميليشيا الشيعية، في وقت تسعى فيه الرئاسة اللبنانية الجديدة، برئاسة جوزيف عون، إلى فرض السيادة الوطنية الكاملة على القرار العسكري اللبناني ومنع أي جهة غير رسمية من الانخراط في العمل العسكري داخل البلاد.
ووفقاً للمعهد، فإن العلاقة بين طهران وبيروت لطالما ارتكزت على الدعم الإيراني لحزب الله، الذي نشأ خلال الحرب الأهلية اللبنانية وترسخ تدريجياً في جنوب البلاد، رافعاً شعار المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومعتمداً على توجيهات المرشد الأعلى الإيراني.
وأوضح التقرير أن اتفاق الطائف لعام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، أعاد رسم التوازنات الطائفية والسياسية في البلاد، ونصّ على حلّ الميليشيات المسلحة، لكنه استثنى حزب الله، الذي تم الاعتراف به كقوة مقاومة. وبمرور الوقت، توسع نفوذ الحزب عسكرياً وسياسياً واجتماعياً، مدعوماً بمساعدات إيرانية شملت التدريب، والتمويل، وتوفير شبكة خدمات موازية للدولة.
وأضاف المعهد أن العلاقات الاقتصادية والمالية بين الحزب وطهران تطورت عبر قنوات بديلة، منها استخدام مكاتب الصرافة السورية لتجاوز القيود المصرفية، فضلاً عن تسهيل نقل النفط الإيراني عبر سوريا، وهو ما مكّن حزب الله من بناء شبكة تمويل مرنة ومحمية.
لكن التقرير أشار إلى أن الانتخابات اللبنانية الأخيرة وتشكيل حكومة جديدة بقيادة نواف سلام، وانتخاب الرئيس جوزيف عون، مثّلا نقطة تحول في العلاقة مع إيران. فقد بدأت بيروت باتخاذ خطوات جدية للحد من نفوذ الحزب، من بينها منع هبوط طائرات إيرانية في لبنان ووقف التمويل الحكومي الموجه للميليشيا، وهو ما اعتبره المعهد مؤشراً على سعي السلطة الجديدة إلى انتزاع القرار العسكري من قبضة الفاعلين غير الحكوميين.
وفي هذا السياق، قال المعهد إن تصريحات السفير الإيراني في بيروت مجتبى أماني، التي وصف فيها الجهود الرامية لنزع سلاح حزب الله بأنها “مؤامرة”، أثارت غضب الحكومة اللبنانية، ما دفع وزارة الخارجية إلى استدعاء السفير وتأكيد رفضها التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية.
وأكد المعهد أن الرئيس جوزيف عون يتبنى نهجاً حذراً، يسعى من خلاله إلى تفكيك ترسانة حزب الله عبر التفاوض لا المواجهة المسلحة، مشيراً إلى أن عون شدد في أكثر من مناسبة على أن نزع السلاح “لن يكون إلا بتوافق داخلي وظروف مواتية”، لتفادي الانزلاق نحو حرب أهلية جديدة.
حزب الله لاعب استراتيجي لإيران في وجه إسرائيل
وأوضح المعهد الإيطالي أن حزب الله يظل أحد الأدوات الاستراتيجية الرئيسية في السياسة الإقليمية الإيرانية، وخاصة في مواجهة إسرائيل. وعلى الرغم من خسارته لنحو ثلثي ترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة خلال الصراع الأخير، وغياب تمثيله في الحكومة الجديدة، فإن الحزب لا يزال يحظى بأولوية دعم لدى طهران.
وأشار المعهد إلى أن إيران ضخت دعماً مالياً سنوياً يتراوح ما بين 100 و700 مليون دولار لصالح الحزب، وفقاً لتقارير متعددة، ما يؤكد مركزية هذا التحالف في الاستراتيجية الإيرانية الإقليمية.
وفي ظل استمرار المفاوضات النووية بين طهران وواشنطن، تسعى إيران إلى تأجيل حسم ملف نزع سلاح حزب الله، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات مفتوحة مع الدولة اللبنانية الجديدة، خشية خسارة موقعها ونفوذها في بلد يمثل خط دفاع متقدماً في مواجهة إسرائيل.
ثلاث سيناريوهات لمستقبل العلاقة
وطرحت الورقة التحليلية للمعهد ثلاث سيناريوهات رئيسية لمستقبل العلاقة بين لبنان وإيران:
-
سيناريو الاستقرار النسبي (الأكثر ترجيحاً):
استمرار الوضع الراهن دون تصعيد كبير، مع محاولات رئاسية لبدء مفاوضات حول نزع سلاح حزب الله نهاية العام، ضمن مناخ هشّ ولكن متماسك نسبياً. -
السيناريو الإيجابي:
التوصل إلى اتفاق مشروط لنزع سلاح الحزب مقابل انسحاب إسرائيلي من الجنوب ووقف تهديدات تل أبيب، في إطار تفاهم إيراني-أميركي أوسع يشمل الملف النووي. هذا السيناريو من شأنه أن يدفع لبنان نحو التعافي الاقتصادي واستعادة الثقة الداخلية والدولية. -
السيناريو الأسوأ:
انهيار العلاقات بين بيروت وطهران، وتصعيد ميداني قد يصل إلى مواجهة أهلية. ويشمل هذا السيناريو خطر حرمان الحزب من الدعم المالي، وانهيار التماسك الداخلي، وتفاقم التوترات الإقليمية، ما قد يقوّض الدور الإيراني في لبنان ويهدد استقرار طهران الداخلي أيضاً.
حظة حرجة تتطلب حواراً متوازناً
واختتم المعهد الإيطالي للشؤون الدولية تقريره بالتحذير من أن لبنان يقف على حافة مرحلة مفصلية، حيث إن أي خطوة خاطئة في ملف حزب الله قد تؤدي إلى انفجار داخلي أو عزلة إقليمية. ودعا المعهد جميع الأطراف إلى تغليب الحوار، وتجنب التصعيد، والتعامل مع الملف بحذر يحافظ على التوازنات الوطنية والإقليمية، مشدداً على أن الحل الحقيقي يكمن في توافق لبناني داخلي مدعوم بإجماع إقليمي ودولي حريص على استقرار البلاد.
