السلايدر الرئيسيتحقيقات
أخر الأخبار

اقتصاد هشّ تحت رحمة المانحين والتهديدات الجيوسياسية.. هل تفقد سوريا سيادتها مقابل إعادة الإعمار؟

من سعيد سلامة

يورابيا ـ لندن ـ من سعيد سلامة ـ وسط تعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة، حذر المعهد الإيطالي للشؤون الدولية من أن سوريا تقف اليوم أمام مفترق حاسم، حيث يتقاطع طموح التعافي الاقتصادي مع شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية.

وفي تقرير تحليلي شامل، أشار المعهد إلى أن التوجهات الدولية الأخيرة نحو دعم إعادة الإعمار في سوريا، لا سيما في ضوء الانفتاح الأمريكي والخليجي، تحمل في طياتها فرصاً واعدة، لكنها أيضاً تطرح تساؤلات جدية حول السيادة، وتوازن القوى، واستدامة التعافي الاقتصادي في ظل هشاشة البنية المؤسساتية وواقع الانقسام الداخلي.

ويمر الاقتصاد السوري بمرحلة شديدة التعقيد، نتيجة تراكم عوامل داخلية وخارجية، أبرزها آثار الحرب الأهلية الطويلة، والعقوبات الغربية، والتفتت الاجتماعي والإقليمي، إضافة إلى بروز اقتصاد غير رسمي واسع النطاق.

وأوضح المعهد في تقرير تحليلي شامل صدر مؤخراً أن هذه العناصر مجتمعة تجعل من إعادة إطلاق الاقتصاد السوري مهمة شاقة تتطلب توازناً دقيقاً بين الدعم الدولي واستعادة السيادة الاقتصادية.

اقتصاد متعثر وبنية متهالكة

وأشار المعهد إلى أن البنك الدولي أعاد تصنيف سوريا عام 2018 كـ”دولة منخفضة الدخل”، بعد أن فقد ناتجها المحلي أكثر من نصف قيمته مقارنة بما كان عليه قبل 2010. وقال المعهد إن التدمير الواسع للبنية التحتية، وفقدان الثقة بالمؤسسات، والتشظي المجتمعي، جعل من الصعب ليس فقط إعادة بناء أصول الدولة، بل أيضاً إصلاح الأنظمة الاقتصادية الأساسية القادرة على استيعاب الاستثمارات أو تحقيق النمو المستدام.

سوريا كمحور استراتيجي

وأضاف المعهد أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية، كونها تقع عند تقاطع حيوي يربط دول الخليج بأوروبا عبر تركيا، فضلاً عن امتلاكها واجهة بحرية على المتوسط وموارد طبيعية هامة تشمل الغاز والنفط، إلى جانب وفرة مائية وسهول زراعية خصبة. وأكد المعهد أن هذه المقومات تجعل سوريا هدفًا طبيعيًا للاستثمارات الأجنبية، ولكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام صراعات النفوذ.

مؤشرات على تحول في المواقف الدولية

وفي سياق إقليمي ودولي متغير، أشار المعهد إلى أن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط في مايو 2025، وما تبعها من اتفاقيات اقتصادية مع دول الخليج، شكلت علامة فارقة. ولفت إلى أن الحوار الذي أجراه ترامب مع الزعيم السوري الحالي احمد الشرع، تضمّن إشارات إيجابية حول إمكانات التعاون، إذ وصفه الرئيس الأمريكي بـ”الزعيم الحقيقي”.

وقال المعهد إن من أبرز ما جاء في تلك اللقاءات، السعي المشترك لرفع العقوبات المفروضة على النظام السوري السابق، وهي خطوة لاقت ترحيباً شعبياً داخل سوريا، تمثل في خروج مظاهرات مؤيدة في شوارع دمشق. وتابع أن الاتحاد الأوروبي أبدى هو الآخر انفتاحاً على تخفيف العقوبات، تماشياً مع خطوات بعض أعضائه، في حين لا تزال قيود مجلس الأمن على تسليح سوريا قائمة.

السعودية وقطر تسددان ديون سوريا الدولية

أوضح المعهد أن مؤتمر “اقتصادات الأسواق الناشئة” الذي عُقد في العلا بالسعودية (16-17 فبراير 2025) مثّل منصة توافق دولي على ضرورة دعم تعافي الاقتصادات المتأثرة بالنزاعات. وفي هذا الإطار، قامت كل من السعودية وقطر بتسديد ديون سوريا المستحقة للمؤسسة الدولية للتنمية، في خطوة اعتبرها المعهد تعبيراً واضحاً عن نية جدية لإعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي.

أبعاد سياسية واقتصادية متعددة

ورأى المعهد أن دوافع هذا الانفتاح لا تقتصر على الاقتصاد فقط، بل تشمل حسابات جيوسياسية أوسع، من بينها إعادة تموضع القوى السنية في المنطقة. وقال المعهد إن الولايات المتحدة، في سعيها لتعزيز التحالف السني ومواجهة النفوذ الإيراني، قد ترى في تطبيع العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة خطوة ضرورية، رغم التاريخ المثير للجدل للزعيم الشرع، والذي ارتبط بجماعات جهادية في مرحلة سابقة.

تحذير من اقتصاد تابع ومخاطر تدخل خارجي

حذر المعهد من أن هذا الانفتاح، رغم فوائده الظاهرة، قد يؤدي إلى خلق “اقتصاد تابع” يعتمد بشكل مفرط على المانحين. وقال المعهد إن استثمارات خارجية غير منضبطة قد تفضي إلى استغلال الموارد الطبيعية لصالح أطراف أجنبية دون استفادة فعلية للسوريين، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات المجتمعية وتقويض السيادة الاقتصادية.

تضارب محتمل في المصالح

وفي إشارة واضحة إلى الجدل القائم، أشار المعهد إلى وجود مخاوف من تضارب مصالح بين الدور السياسي للرئيس ترامب ومصالحه التجارية الخاصة، لا سيما في ظل ما وصفه التقرير بـ”الامتيازات الشخصية” التي قد تكون مُنحت له أو لمقربين منه في الخليج، والتي قد تمتد إلى سوريا، مما يهدد بتشويه مسار إعادة الإعمار لصالح فئات محددة دون غيرها.

معضلة الاقتصاد غير الرسمي

شدد المعهد على أن القضاء على الاقتصاد غير الرسمي في سوريا ليس أمراً يسيراً، إذ إنه أصبح بمرور السنوات شبكة حيوية للمعيشة والعمل في غياب مؤسسات فاعلة. وقال المعهد إن أي خطة اقتصادية مستقبلية لا بد أن تضع في الحسبان إعادة دمج هذه الشبكات تدريجيًا، لا اجتثاثها بشكل فجّ، لتجنب دفع السكان نحو التطرف أو العنف.

 إسرائيل والتوازن الإقليمي وتدابير لتفادي المخاطر

كما حذر المعهد من أن التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط قد تثير حفيظة إسرائيل، خاصة في ظل إهمال الملف الإسرائيلي في زيارة ترامب الأخيرة، وتراجع الحديث عن اتفاقات إبراهيم. واعتبر المعهد أن هذا الغموض قد يدفع إسرائيل إلى تكثيف وجودها في الجولان والجنوب السوري، ما يضعف الموقف التفاوضي لسوريا مستقبلاً، ويزيد من تعقيد أي تسوية محتملة.

وفي ختام تقريره، قدّم المعهد الإيطالي للشؤون الدولية مجموعة من التدابير المقترحة لتفادي المخاطر المحتملة:

  1. فرض رقابة صارمة على استغلال الموارد الطبيعية، لضمان استفادة السوريين منها وليس الجهات الأجنبية فقط.

  2. تعزيز المؤسسات المحلية لضمان توزيع عادل للاستثمارات وتفادي اختراق الشبكات غير الرسمية.

  3. الاستفادة من دعم المنظمات الدولية لضبط السياسات المالية والاجتماعية ومكافحة الطائفية.

  4. دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا ضمن البنى الاقتصادية الرسمية.

  5. ضمان مفاوضات عادلة مع إسرائيل تستند إلى قرارات الأمم المتحدة، خصوصًا فيما يتعلق بمرتفعات الجولان.

  6. عدم إغفال البُعد الإنساني، مع التأكيد على توفير الظروف المعيشية الآمنة للسكان كجزء من أي خطة إعادة إعمار.

واختتم المعهد بالقول إن سوريا تقف على مفترق طرق حاسم، فإما أن تشهد تحوّلاً تدريجياً نحو التعافي المدروس، أو أن تسقط في فخ الاعتمادية الاقتصادية والاستقطاب الإقليمي من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى