السلايدر الرئيسيشرق أوسط

الثوّار الافتراضيّون… ومخاطر لعبة التأجيج الإعلاميّ على هامش فاجعة انتحار جورج زريق في لبنان

جمال دملج

يورابيا ـ بيروت ـ من جمال دملج ـ ما بين تجلّيات الحَرْقة الوجدانيّة المتأجِّجة في غمرة حمأة ألسنة اللهَب التي اشتعلَت في جسدِ مواطنٍ لبنانيٍّ شاءت له أقداره الوطنيّة السيِّئة أن يُشيَّعَ إلى مثواه الأخير نهار أوّل من أمس السبت بعدما قضى منتحِرًا جرّاء إحراق نفسه في باحة مدرسةٍ خاصّةٍ احتجاجًا على ما تردَّد عن رفْض إدارتها منْحه إفادةً رسميّةً تسمَح بنقْل ابنته الصغيرة إلى مدرسةٍ أخرى قبْل أن يقوم بتسديد الأقساط المترتِّبة والمتعثِّرة عليه، وما بين إرهاصات اشتعال هِمَّة الوطنيّين الافتراضيّين على مواقع التواصُل الاجتماعيّ الذين غالبًا ما درَجت العادة على أن يستثمروا في مآسي الناس تعبيرًا عن تقصيرهم المتوارَث أبًا عن جدٍّ في مجال إحداثِ أيِّ تغييرٍ واقعيٍّ من شأنه أن يضع حدًّا نهائيًّا لتعقيدات أزمة التعليم التي لم تكفَّ عن أخْذ منحاها التصاعُديّ في أوساط الفقراء ومحدودي الدخل مع بدايةِ كلٍّ عامٍ دراسيٍّ جديدٍ في لبنان منذ عشرات السنين، ثمّة مساحةٌ صغيرةٌ كان يُفترَض أن تكون كافيةً لكي يتجنَّب اللبنانيّون في أرجائها مخاطِر الاحتراق انتحارًا أو الاستحراق نحيبًا عند عتبات حرّاس الهيكل في مملكة الفساد المترامية الأطراف على طول خارطة البلد وعرضها، وهي المساحة التي ليس من باب المبالغة القول إنّ اثنين ممّن بقيا بمنأىً عن الإصابة بعوارِض أمراض ألزهايمر التحاصُصيّ، منذ انتهاء الجولات الأولى للحرب الأهليّة عام 1976، مرورًا بالتوقيع على “اتّفاق الطائف” عام 1989، ولغاية يومنا الراهن، لا يمكن أن يختلفا على أنّها ظلَّت تتجسَّد بالطول والعرض في مجرَّدِ صندوقٍ انتخابيٍّ مربَّعٍ غالبًا ما كان أصحاب حقِّ الاقتراع يصوِّتون فيه لصالح المستبدِّين بصحّةِ وعافيةِ حاضرهم ومستقبلهم، على حساب آمال العديد من المترشِّحين الآخرين ممَّن يتوقون بالفعل إلى إيجاد الفرص المؤاتية لهدْم أعمدة الهيكل فوق رؤوس حرّاسه الكبار الذين باتوا يُسمَّون في الاستخدام اللغويّ الشائع: حيتان المال.

هذا الكلام، وإنْ كان لا ينطوي على أيِّ نيَّةٍ مبيَّتةٍ لتعميمه على كافّة فئات الشعب اللبنانيّ وعلى جميع ممثِّليهم القُدامى والجُدد في مجلس النوّاب، ولا سيّما غالبيّة أعضاء الندوة البرلمانيّة الحاليّة الذين تمَّ انتخابهم في الدورة الأخيرة العام الماضي، ولكنّ الغرَض من ورائه يتمثَّل في وجوب التنويه بأنّ ورَم الفساد لم يكن ليُقدَّر له أن يُصبح خبيثًا على هذا النحو الخطير في لبنان لولا سوءُ استخدامِ الأصوات الانتخابيّة، تحت تأثير مفاعيل إغراءات المال السياسيّ، خلال الدورات السابقة، الأمر الذي لا بدَّ من أن يكون كافيًا لكي يُحمِّل الناخبين في الموازاة، ولو بدرجاتٍ متفاوِتةٍ، مسؤوليّة ما آلت إليه الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة من تدهوُرٍ مضطرِدٍ عانى منه الوطن تِباعًا، حقَبةً زمنيّةً تلوَ الأخرى، على مرِّ السنوات الطويلة الماضية.

ومع الأخذ في الاعتبار مسبَّقًا أنّ لا أحدَ يُمكن أن يقفز فوق الحقيقة المرّة المتمثِّلة في أنّ جورج زريق الذي أضرَم النار في جسده نهار الخميس الماضي قضى شهيدًا بكلِّ ما تحمله كلمة الشهادة من معنى في وطنٍ بات الاستشهاد فيه لسان حال المغمورين من أبنائه والعاجزين عن تسديد مجرَّد أقساطٍ مدرسيّةٍ تؤمِّن مستوى التعليم الراقي لفلذات أكبادهم في المدارس الخاصّة، مقارنةً بالمستوى غيرِ الراقي للتعليم في المدارس الرسميّة التي يُفترَض أن يكون مستواها راقيًا في الأصل، فإنّ لا أحدَ يُمكن أن يقفز في الموازاة فوقَ الحقيقةِ الأكثرَ مراراةً والمتمثِّلةِ في أنّ شراهة المتسوِّلين عند عتبات الفواجع على مواقع التواصُل الاجتماعيّ، ومن ورائهم الإعلاميّين المنبهِرين بثقافة الـ “رايتينغ” المستحدَثةِ في الآونة الأخيرة لتقييم مستوى الجودة والشهرة للمريدين على شبكة الإنترنت مع كلِّ كبسةِ زرٍّ متاحةٍ أمامهم في العوالم الافتراضيّة، كانت شراهةً مفرِطةً في غوغائيّتها كمًّا ونوعًا في مختلف الأحوال والظروف، ولا سيّما بعدما كادت تؤدّي إلى تجريد واقعة الانتحار المؤثِّرة الكثير من عناصر رمزيّتها الإنسانيّة والقيَميّة والوجدانيّة، سواءٌ عن طريق محاولة استغلالها لتحقيقِ غاياتٍ فوضويّةٍ خلّاقةٍ أم عن طريق تسييسها لاستجداءِ لايكاتِ النجوميّة الإلكترونيّة من هنا وهناك.

وإذا كان ما تقدَّم يُجسِّد في نهاية المطاف حالةً مرَضيّةً استثنائيّةً تجعل من الصعب في الوقت الحاليّ إعرابُ الفعل والفاعِل والمفعول به في جملةٍ لبنانيّةٍ مفيدةٍ، تمامًا مثلما يشي في الموازاة بأنّ إمكانيّة الشفاء من هذه الحالة لا تزال مستعصيةً لغاية الآن على أيِّ دواء، فإنّ ذلك لا يُلغي بالطبع وجوب الإصرار إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ على مؤازرة شعارات محاربة الفساد التي رفعها رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون من بين عدّةِ شعاراتٍ وطنيّةٍ طموحةٍ في بداية عهده، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ حكومة العهد الأولى التي يُفترَض أن تأخذ على عاتقها مسؤوليّة القيام بالإجراءات التنفيذيّة المطلوبة لترجمة هذه الشعارات على أرض الواقع كانت قد تشكَّلت قبل أيّامٍ قليلةٍ فقط، ناهيك عن أنّ عددًا كبيرًا من النوّاب الجدُد الذين قُدِّر لهم الدخول مؤخَّرًا إلى الندوة البرلمانيّة عازمون بصدقٍ هذه المرّة على عدم تفويت أيِّ فرصةٍ لمراقبة الأداء الحكوميّ، أو لتصحيحه ومحاسبته عند الضرورة، سعيًا إلى وضْع مفاعيل الشعارات نفسها على سكّة التطبيق… وحسبي أنّ أفضلَ طقْسِ صلاةٍ يمكن أن يُؤدّى على روح جورج زريق يتمثَّل في وجوب التضرُّع إلى الله لكي يُصبِّر عائلته على مصابها الأليم، وبالتالي، لكي يُقرِّب موعد اليوم الذي سيغرَق فيه حيتان المال وسط أمواج محاربة الفساد المأمولة، بعيدًا عن مغامرات الشارع التي يروِّج لها ثوّارٌ افتراضيّون غالبًا ما درجت العادة على أن يَغرقوا عند أوّل هبَّةٍ في كوبِ ماءٍ، فتأكلهم الحيتان… والخير دائمًا في لغة العقل التي من شأنها أن تُسهِم في درء مخاطر الفوضى الخلّاقة عن اللبنانيّين في هذا الوقت بالتحديد من وراء القصد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى