أقلام يورابيا

إنجيلي محرَّف!

الأب ميلاد جاويش

في العادة، يدرس الكاهن خمس سنوات كي يحصل على شهادة البكالوريا في اللاّهوت العامّ. وإن أراد التخصّص في حقلٍ معيّن لينال شهادة الماستر، فعليه أن يزيد على السنوات الخمس ثلاثَ سنوات أخرى. وإن رام شهادة الدكتوراه، فله أن يقضي خمس سنوات أخرى لصيقَ المكتبات وجليسَ الكُتب. في المحصّلة، تتراوح سنو تحصيله العلميّ بين اثنتي إلى ثلاث عشرة سنة، مثله مثل طالب الطبّ. هناك طبعًا مَن يتخصّص في أكثر من حقل، فيبقى عندها “تلميذًا” مدّةً أطول. أيحتاج “طبيبُ النفوس” هذا، كما يحلو للبعض أن يدعو الكاهن، أن يقضي كلّ هذه السنوات في الدراسة؟
في قاموسنا، الله موضع دراسة وتمحيص، مع اعترافنا المسبق بِسرِّه اللاّمتناهي وغير المدرَك. ندرس الله علَّنا نفهمه أكثر، راجين أن نغرق أكثر في لجّة حبّه. تجاوزت الكنيسة الزمنَ المظلم لمّا كانت تُقيّد العلماء وتَكمّ الأفواه. ما جرى مع نيكولا كوبرنيك وغاليليو غاليله وكثيرين غيرهم من العلماء، لمّا أجبرتهم كنيسةُ القرون الوسطى أن يتخلّوا عن نظريّاتهم العلميّة المخالفة للشرع ولما جاء في الكتب المقدّسة، تحت طائلة العقوبة والحرق، تَلت عليه الكنيسةُ اليوم فعلَ الندامة والاستغفار. كان البابا الراحل يوحنّا بولس الثاني جريئًا عندما طلب المغفرة عن سنوات الظلمة هذه. أصبح العلم اليوم ضرورةً قصوى في حقل اللاّهوت، وشِيمةً وُضّاءة على أيّ رجل دين أن يتحلّى بها.
العقليّات تطوّرت، وكذلك العقائد. كانت الكنيسة قديمًا تعتقد أنّ التوراة، من أَلفها إلى يائها، من تأليف موسى النبيّ، وأنّ المزامير لداود المرنّم، وكتب الحكمة لسليمان الحكيم… لم يعد أحدٌ من العلماء ينادي بذلك. برهن العلم أنّ التوراة دوّنها كتّابٌ عديدون عاشوا في أزمنة مختلفة وانتموا إلى تيّارات لاهوتيّة متنوّعة. كذلك المزامير وكُتب الحكمة. كما لم يَعد يُرمى بالحرم مَن يقول إنّ آدم وحوّاء لم يوجدا في التاريخ، بل هما نموذجان رمزيّان عن كلّ رجل وامرأة…
لماذا أُدرجُ هذا كلّه؟ لأقول إنّ العلم لم يَعد “بُعبُعًا”، بل أصبح ضرورة. لا بل أذهب في اعتقادي إلى حدّ القول إنّ الكنيسة لم تفهم حقًّا ماهيّة كتابها المقدّس إلاّ عندما أخضعته تحت مجهر العلم الجادّ وأعملت فيه منجل النقد الحادّ. ما كانت تحسبه إلهيًّا صافيًا، مُنزَلاً من علياء السماوات، أضحى مُغمَّسًا بكثير من الإنسانيّة، مُعفَّرًا بتراب الأرض وتاريخ بَنيها. أصبحت تنادي في تعليمها أنّ الكتب، وإن كان الله مَن ألهمَها ونفخ فيها من روحه القدّوس، فَيَدٌ بشريّة دوّنتها، أناسٌ من لحم ودم ألبسوها أحشاءهم وضَخّوا فيها آمالهم وآلامهم.
لم يكن الأمر سهلاً في البداية ولا يزال حتّى الآن، خصوصًا بين العامّة من الناس. في تخالطي مع المؤمنين، أرى العديد منهم لا يزال يَصدّ فكرة التطوّر ويصرّ على اعتقاده بأنّ موسى هو من أَلّف التوراة، كلّ التوراة، وأنّ آدم وحوّاء إنّما هما الجدَّان الأوّلان اللذان تتحدّر منهما البشريّة جمعاء. أتذكّر مرّةً أنّ أحدًا أوقفني في قرية خبب في حوران ليحتجَّ على عبارةٍ وردت على لساني في أثناء العظة عندما قلت: “يسوع إنسانٌ رائع”. عدَّ رأيي انتقاصًا من ألوهيّة المسيح لمّا ناديتُ به إنسانًا. في خَلَده، تتصاغر الألوهة عندما تحتكّ بالإنسان.
تجاه هذا الواقع، غالبًا ما ألجأ إلى تقديم أوراق اعتمادي العلميّة أمام سامعيّ المشكَّكين. أشرح لهم كيف نُذيبُ العمر كلَّه نمحّص الكتاب، وتَكلُّ أعينُنا ونحن نُدقّق في كلّ كلمة وحركة. وأخبرهم أيضًا كيف تختصّ الأطروحات العلميّة لا في الكتاب المقدّس كلّه، بل بسِفرٍ واحد منه، لا بل بفصلٍ واحد من سفر واحد، لا بل حتّى بكلمة واحدة في سفرٍ واحد من الأسفار. العلمُ ليس لعبةً ولا نزهةً على ضفّة نهر، بل جدّ وكدّ وسَهر. لا مكان فيه للنظريّات المجّانيّة التي لا تستند إلى أساس علميّ صلب.
في هذا الصدد، أتعجّب كلّ العجب عندما أسمع نغمة: إنجيلكم محرَّف! كيف له أن يكون محرَّفًا عند أناسٍ لم يتوانوا في نقد كلّ شاردة وواردة فيه؟ كيف يكون محرَّفًا عند علماء صارمين، قلّما يهابون سلطةً كنسيّة أو يخضعون لرقابةٍ تتسلّط فوق رقابهم وتحدّ من تمرّدهم العلميّ؟ أضحك ساخرًا من هذا الاتّهام عندما أتذكّر كيف قضينا ساعات بدقائقها الكاملة نتناقش فيها مع أستاذنا لنتيقّن إذا كان يسوع قد ختم فعلاً صلاة “الأبانا” (“… لكن نجّنا من الشرّير”)، في الفصل السادس من إنجيل متّى، بكلمة “آمين”، أم إذا كان مردّ هذه الخاتمة، الواردة في بعض المخطوطات القديمة، إلى عادةٍ تحكّمت بناقل المخطوط فدفعته تلقائيًّا إلى حشرها ضمن النصّ الأصليّ، لكثرة ما ردَّدها عند تلاوته الصلاة الربّيّة.
قرأتُ مؤخّرًا كتابًا لجون بول ماير، أكبر المختصّين بــ”يسوع التاريخيّ”، وهو الحقل الذي يجهد في الوصول إلى أكبر قدر من الموضوعيّة في البحث عن يسوع “التاريخيّ”. من عنوان الكتاب نفسه، نشتمّ رائحة الثورة: “يسوع، يهوديّ على الهامش” (Jesus, A Marginal Jew). من شطحاته قوله إنّ يسوع “الناصريّ” لم يولد في بيت لحم كما ذكرت الأناجيل، بل في الناصرة شمال فلسطين. وما إرجاع أصله إلى بيت لحم إلاّ محاولة كنسيّة لاحقة هدفت، بحسب زعم ماير، إلى تثبيت مسيحانيّته على أَساس مَلكيّ لا لبس فيه، على شاكلة داود الملك الأوّل المتحدّر أصلاً من بيت لحم. كيف ردّت الكنيسة على نظريّة ثوريّة كهذه؟ لم تحرم المؤلّف، مع كونه كاهنًا كاثوليكيًّا من أبرشيّة نيويورك وأستاذًا محاضرًا في أكبر كلّيّات اللاّهوت الحبريّة في أميركا، تلك الكلّيّات المستظِلّة عباءة الفاتيكان. الكنيسة اليوم تحترم العلم وتترك لأصحابه حرّيّة التفكير والقول، وإن لم تشاركهم معظم آرائهم. يجب على النظريّات المختلفة أن تتصارع على حلبة العلم، لأنّ الغلبة لن تُكتَب في نهاية المطاف إلاّ للصحيح منها، أو على الأقلّ للأكثر ترجيحًا.
اطلبوا العلم ولو في الدين! هذا هو الغرض الأوّل ممّا كتبت وممّا قرأتم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى