أقلام يورابيا

الحب في زمن الألياف الضوئية

سمر نادر

مَن منّا لم يحتفظ بوردةٍ مجففةٍ بين صفحتي كتاب؟؟
جفف معها حشاشة القلب ورعشة اوقاته الجميلة مع الحبيب!؟
مَن منّا لم يحشر منديلا” مُعطّرا” – بطيب معشوقه – في جيب قلبه الصغير ، يتنشّق أنفاسه بعمقٍ وحنانٍ زائدٍ كلما هاجمته ذئاب الشوق الجائعة؟

لست بصدد تفسير الحب وتعريف تغيّراته فينا ، فالحب كما البشر ينمو، يتغيّر ،يتبدّل ، يتجدد مع تجدد ايامنا.
ولا بصدد إستنزاف خيالي لإختيار مفردات تليق به ، إنما الحنين الكامن في قنديل الذاكرة و زيت حضوره القويّ في وجداني دفعني لأسيل وأمسح مباهج مسراته و عذاباته في مقارنةٍ بين حاضرنا و ماضينا.

الحب الكائن الذي بللّ ريق ايامنا اليابسة بمائه المقدس، إستبدل اليوم خرير سواقيه المنسكبة في أجران الحياة بكؤوس مهشّمة كوثرها ثقوب الكترونية أضيق من خرم إبرةٍ .

في ماضينا الجميل -في قريتي الهانئة بالتحديد- كنا نزركش أطراف رسائلنا بقلوب وردية أوحمراء حسب درجة وحرارة عاطفتنا ، قلوب تجعل من قارئ الرسالة وأعني “الحبيب” جوقة فراشات ذاهلة ؛ واليوم مثلنا مثل العالم أجمع من حولنا علّقنا فراشاتنا الملونة في براويز منسية وأكتفينا بإرسال قلوب الكترونية من شاشة هواتفنا الجافة، قلوب عاجزة عن استفزاز شريان صغير كي ينبض نبضة اضافية واحدة، كنّا ننتظر مواسم الافراح ليطيب لنا لقاء و لمسة يد مشتاقة وقبلة مسروقة واليوم نتكلم بأزرار بلاستيكية عوضا”عن أزرار العيون والحواس ونرسل قبلا” آلية فاتنة لا طعم فيها، لها مذاق التحسر والضياع.
كنا نختلس نظرة” خاطفة تخلخل مفاصلنا كأنها البرق وتستمر قشعريرتها لأيام طوال كلما تذكرناها.
عيوننا عصب الغرام الاخطر ، تخلّت عن نشاطها الطبيعي وحوّلت اسلاك اعصابها على شكل وجه “سمايلي” له عينان على شكل قلب،
ألبست الموعد الشغوف قناعا” فتنكّر على شكل رسالة صوتية ، احتالت على اللقاء فقايض حضنه الغارق بهبات السماء بمنفى video call باهت بائس.
تدرّب العشق فينا يوما” بعد يوم على مجاراة سرعة العواطف التكنولوجية على حساب الحواس وأضاعت آليته مهارة الاحاسيس في إتمام مهامها الطبيعية؛
الحب صورة ضوئية، رقمية أوعبارات مقتضبة افقدت البوح قيمته وملذّة مذاقه، مفاتيح الكيبورد ألهبت طفرة الحب الآلي فافترس أغشية عقولنا بعنف وماعدنا نميّز بين ما نحن وما نريد أن نكون.
في زمني الجميل كان الحب يانعا” طريا” ينام على “سطيحة” القلب وبين سلال عنبه وتينه ، يمنح ثماره بصدق وعفوية ولا يخاف فم الغرائز ، يُنصت جيدا” لهمس الامهات وحكمة الجدات و يحذر من الوثوق بالغرباء وخاصة ابناء المدن الاكثر تجربة والاعمق خبرة في فنون الغرام.
هل كانت جداتنا تخاف وقوعنا فريسة قلب فاسقٍ طائش؟
اين حكمة جداتنا اليوم في هذا الفضاء الخصب للتعارف والتحابب واقامة العلاقات الافتراضية ؟ اين توصياتهن لخطورة التواصل الزائف في زمن مسروقٍ من تقاليده وخصوصياته!
كُثرٌ ضحايا الحب الآلي في عصرنا الآني
كثرٌ على شفير الوحشة الذاتية،
جيل “القمر السهران” نفض فضة لياليه الحالمة وتعلّق بنافذةٍ خياليةٍ وضوءٍ مغامرٍ، أطلّ على الكون لكنه نسي الوقوف على شرفة روحه المقمرة.

تطورنا وتطورت اجيال القلب ونما فينا وحش لذيذ “التكنولوجيا” افقد الحب قدسيته ورومنسيته ونقاوة الذوبان فيه.
وحش لذيذ -أفيون العصر- أدمنّاه جميعنا ، عصرنا واستخرج منا مادة لزجة بشيفرات دبقة مبهمة، اعادت برمجة مشاعرنا و نمو عشقنا البيولوجي ،
أدمنّاه حتى الهلوسة ، حتى الجرعة القاتلة و تحولنا “ربوتات” عاشقة من لحمٍ و دم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى