السلايدر الرئيسيصحف

وول ستريت جورنال: رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يسعى الى “الجائزة المستحيلة” بالاستقلال عن الولايات المتحدة وإيران

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يسعى إلى تحقيق ما وصفته بـ”الجائزة المستحيلة” في السياسة العراقية الحديثة: التحرر من نفوذ واشنطن وطهران معًا، دون أن يخسر دعم أي منهما.

وأضافت الصحيفة أن هذا المسعى يأتي في وقتٍ يستعد فيه السوداني لخوض الانتخابات الوطنية المقررة يوم الثلاثاء المقبل، بعد ثلاث سنوات من توليه منصبه في بلدٍ لا يزال يعاني من إرث الاحتلال الأمريكي وهيمنة النفوذ الإيراني.

وأشارت الصحيفة إلى أن السوداني، البالغ من العمر 55 عامًا، يجسد مفارقات المشهد العراقي الراهن. فهو رجل نشأ في أسرة دفعت ثمنًا باهظًا في عهد صدام حسين — إذ أُعدم والده عندما كان في العاشرة من عمره بسبب انتمائه إلى حزب موالٍ لإيران — ومع ذلك لا يُخفي امتنانه للتدخل الأمريكي عام 2003 الذي أطاح بالنظام البعثي. وبين الولاء القديم للجماعات الشيعية التي تدين بالفضل لإيران، والرغبة في إقامة دولة عراقية ذات سيادة مستقلة، يسير السوداني على خيطٍ دقيق بين قوتين لا تزالان تتنازعان مستقبل بلاده.

بين واشنطن وطهران: توازن صعب

وأضافت وول ستريت جورنال أن السوداني، خلال ولايته الأولى، تمكّن من تحقيق ثلاثة إنجازات رئيسية عززت موقعه داخليًا:

  1. تفاوضه على انسحاب القوات القتالية الأمريكية العام الماضي، مع الإبقاء على التعاون الأمني والاستخباراتي.

  2. تحييد العراق عن الحرب الإسرائيلية–الإيرانية الأخيرة، ومنع تحول أراضيه إلى ساحة مواجهة.

  3. استغلال الطفرة النفطية منذ عام 2022 لتمويل مشاريع بنية تحتية وتوفير فرص عمل خففت من حدة الاضطرابات الاجتماعية.

وفي مقابلة أجراها مع الصحيفة في بغداد، قال السوداني:”هناك اليوم أمن واستقرار وتناغم مجتمعي. لقد تغيّر وجه العراق بعد عقود من الحروب والتدخلات الخارجية.”

وترى الصحيفة أن هذه الرؤية تواجه اختبارًا حقيقيًا الآن، خصوصًا في ظل تساؤلات عن مدى تراجع النفوذ الإيراني في العراق بعد إنهاك طهران في حربها مع إسرائيل، وانشغال إدارة ترامب الجديدة في جبهاتٍ أخرى كأوكرانيا وفنزويلا وغزة.

موقع العراق بين قوتين متنافستين

وأوضح السوداني في المقابلة أن علاقاته مع إيران «تقوم على مبدأ الجوار والمصالح المشتركة، لكنها لن تكون على حساب القرار الوطني العراقي». وقال عن واشنطن إنه يريد أن تتحول العلاقة إلى «شراكة اقتصادية وتجارية بدلاً من كونها أمنية فقط»، مضيفًا:”نحن حريصون على علاقة تقوم على الاحترام المتبادل واحترام السيادة والمصالح المشتركة.”

ورغم نبرته التصالحية، تشير الصحيفة إلى أن السوداني يواجه واقعًا معقدًا:
فالولايات المتحدة لا تزال أقرب شريك أمني للعراق وأكبر مورّد للسلاح له، وتملك أدوات ضغط مالية وسياسية قوية، منها العقوبات المفروضة على فصائل مسلحة موالية لإيران مصنّفة كـ«منظمات إرهابية». وفي المقابل، ما زالت طهران القوة الأكثر رسوخًا داخل النظام السياسي العراقي، عبر شبكة واسعة من الأحزاب والميليشيات التي تشكّل قاعدة النفوذ الإيراني في بغداد.

وقال تامر بدوي، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن (RUSI):”طالما تحتفظ الجماعات المسلحة الموالية لإيران باستقلالها العملياتي، فلن يكون بوسع أي حكومة عراقية أن تتحرر فعليًا من قبضة طهران.”

إدارة الميليشيات: بين الدمج والاحتواء

وقالت الصحيفة إن السوداني، الذي وصل إلى السلطة في أكتوبر/تشرين الأول 2022 بدعم من تحالفات شيعية مقربة من إيران، حاول إعادة هيكلة العلاقة مع الفصائل المسلحة بدلاً من مواجهتها. ففي مقابلة سابقة مع وول ستريت جورنال عام 2023، قال إنه يؤمن بضرورة بقاء القوات الأمريكية مؤقتًا لمحاربة تنظيم «داعش» — وهو موقف أثار غضب حلفائه في «الإطار التنسيقي» الشيعي.

وأشارت الصحيفة إلى أن السوداني أعلن مؤخرًا أن تلك الميليشيات «أصبحت مؤسسات أمنية رسمية» تابعة للدولة. وقال للصحيفة:”إنها أجهزة أمنية تنفذ أوامر الحكومة ولا تتدخل في السياسة.”

لكن محللين عراقيين شككوا في هذا الادعاء. إذ قال حيدر الشاكري، الباحث في مركز تشاتام هاوس البريطاني:”لم تُظهر الدولة العراقية بعد قدرتها على نزع سلاح تلك الجماعات أو تقليص نفوذها الاقتصادي.”

وأضاف بدوي من (RUSI) أن السوداني لجأ إلى “استراتيجية شراء الولاء” عبر إشراك الميليشيات في عقود حكومية، مما هدّأ هجماتها على المصالح الأمريكية مؤقتًا، لكنه “منحها نفوذًا اقتصاديًا طويل الأمد”. ونقل عن أحد مساعدي السوداني نفيه وجود أي اتفاقات مالية من هذا النوع.

علامات تباعد عن طهران… وغضب داخلي

وذكرت الصحيفة أن أبرز مؤشرات استقلال السوداني النسبي عن إيران تمثّلت في مشاركته مؤخرًا في حفل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في منتجع شرم الشيخ المصري، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد أثارت الزيارة انتقادات شديدة من رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر، الذي اتهم السوداني بـ«إضفاء الشرعية على إسرائيل».

وترى وول ستريت جورنال أن هذه الواقعة كشفت هشاشة موقع السوداني داخل المشهد الشيعي العراقي، حيث تظل ولاءات الطوائف والجماعات الدينية أقوى من أي مشروع وطني جامع.

انتخابات معقدة ونتائج مفتوحة

وأضافت الصحيفة أن الانتخابات المقبلة لن تحسم بسهولة من سيقود العراق، إذ تشارك فيها عشرات الأحزاب الشيعية والسنية والكردية ضمن نظام محاصصة يفرض تقاسم السلطة. وغالبًا ما تُحسم هوية رئيس الوزراء عبر مفاوضات مطوّلة خلف الكواليس يشارك فيها ممثلون عن الولايات المتحدة وإيران على حد سواء.

ونقلت الصحيفة عن المحلل العراقي لوك غفوري قوله:”لن تسمح إيران بظهور زعيم قوي في بغداد. إن تغيير رئيس الوزراء كل أربع سنوات جزء من استراتيجية طهران لضمان عدم صعود أي شخصية تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة.”

وأوضحت وول ستريت جورنال أن السوداني أسّس مؤخرًا حزبًا سياسيًا خاصًا، في محاولة لتوسيع قاعدته الشعبية، لكنه ما زال جزءًا من التحالف الذي يقوده نوري المالكي، أحد أبرز حلفاء طهران في العراق. ويرى محللون أن المالكي يعمل بصمت لإضعاف موقع السوداني داخل هذا التحالف.

ورغم ذلك، قال السوداني للصحيفة بثقة:”لقد بنينا تحالفًا وطنيًا واسعًا، والإنجازات التي حققناها تمنحنا فرصة حقيقية للفوز مجددًا.”

عراق جديد بين نفوذين

واختتمت وول ستريت جورنال تقريرها بالقول إن السوداني يسعى لترسيخ صورة العراق كدولة محايدة وذات سيادة في قلب منطقة تمزقها التحالفات والخصومات الإقليمية. لكن سعيه هذا يواجه حدودًا واقعية، إذ يبقى العراق — في نظر الصحيفة — “مرآة لصراع القوى بين واشنطن وطهران”، وزعيمه الحالي يحاول السير بخطى ثابتة فوق أرضٍ سياسيةٍ لا تتوقف عن الاهتزاز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى