هندسة الظل.. بريطانيا تعيد رسم ملامح السلطة في سوريا عبر جوناثان باور وكلير حجاج ولوسي ستيوارت
من سعيد سلامة
دمشق ـ يورابيا ـ من سعيد سلامةـ في إحدى زوايا المشهد السوري الغارق في تعقيداته السياسية والعسكرية، تتشكّل بهدوء خيوط رواية جديدة، أبطالها ليسوا من العسكريين أو الفاعلين التقليديين، بل من وسطاء الظل ومهندسي المصالحات.
في مركز هذه الحكاية تقف منظمة بريطانية تُدعى “إنتر ميديت” Inter Mediate، قاداتها دبلوماسيون سابقون وعاملون سابقون في شبكات الاستخبارات والنفوذ، مهمّتهم الظاهرة “بناء السلام”، لكن باطنها يُثير تساؤلات كثيرة.
من لندن إلى إدلب.. طريق الوساطة المغلّف بالدبلوماسية
تأسست المنظمة عام 2011 على يد جوناثان باور، الرجل الذي كان كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والمفاوض الرئيسي في اتفاقية الجمعة العظيمة في إيرلندا.
بعد سنوات من التقاعد السياسي، عاد باور إلى الواجهة عبر “الدبلوماسية الخلفية”، وأسس شبكة وساطة تعنى بالنزاعات الدولية المعقدة.
في سوريا، ظهر اسم المنظمة بشكل أكثر وضوحًا منذ عام 2020، لكنها ظلت تعمل بعيدًا عن الأضواء.
تقارير صحفية موثوقة كشفت عن دور بارز تقوم به المنظمة، تمثل في إعادة تأهيل الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، المعروف سابقًا بـ”أبو محمد الجولاني”، قائد هيئة تحرير الشام (النصرة سابقًا).
الهدف؟ ليس عسكريًا، بل سياسي بالكامل: تحويل قائد الفصيل المسلح إلى شخصية مدنية شرعية يُمكن أن تتصدّر مشهد ما بعد الحرب وهذا ما حدث بالفعل حسب مراقبين.
وجوه الواجهة.. كلير حجاج ولوسي ستيوارت
تدير المنظمة حاليًا كلير حجاج، وهي كاتبة ومفاوضة ذات أصول فلسطينية ـ يهودية، عملت سابقًا في مؤسسات أممية ومنظمات دولية، ولها باع طويل في مشاريع “تغيير السردية” في مناطق الصراع.
إلى جانبها، تعمل لوسي ستيوارت، المديرة الميدانية لمشاريع الشرق الأوسط. كلاهما يشرف على تدريب وتوجيه كوادر إدلب، من الجوانب السياسية والإعلامية وحتى بناء المؤسسات المدنية، والتي حولت كوادر هيئة تحرير الشام من “تنظيم مسلح” إلى “كيان سياسي” قادر على إدارة الدولة في سوريا الجديدة.
ويدرو في الكواليس بأن المنظمة أنشأت مكتبًا إعلاميًا يعمل داخل القصر الجمهوري في سوريا، يديره فريق بقيادة حجاج
وساطة أم اختراق سياسي؟
ما جرى في إدلب ويجري حاليا في قصر الرئاسة في دمشق وفندق الفور سيزون بالعاصمة السورية ليس مجرد مشاورات، بل مشروع دبلوماسي متكامل.
بحسب ما كشفته صحيفة The Grayzone وموقع Syrian Observer، فإن Inter Mediate تتلقى تمويلًا مباشرًا من وزارة الخارجية البريطانية، وتعمل بتنسيق وثيق مع جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6).
ومن بين ما تم توثيقه:
-
عقد جلسات مغلقة مع الشرع ومساعديه في مناطق مختلفة من إدلب.
-
تدريب فرق إعلامية لإعادة رسم صورته أمام العالم.
-
وساطات خلفية مع جهات دولية لتثبيت موقعه كطرف شرعي حتى وصوله الان للرئاسة في سوريا الجديدة .
بريطانيا تُخطط من بعيد
في الخلفية، يبقى جوناثان باور، الذي عاد مؤخرًا إلى السلطة السياسية كمستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء البريطاني الجديد كير ستارمر. وبينما يدير أمن بلاده من مقر “داونينغ ستريت”، لا تزال بصماته واضحة في كل خطوة تخطوها Inter Mediate داخل سوريا.
ما يدور في دمشق اليوم ليس مجرد تدريب، بل ورشة هندسة سياسية دقيقة. فبين أيدي وسيطي الظل، تُصاغ هوية جديدة لسوريا، بعيدًا عن صناديق الاقتراع أو الإرادة الشعبية، بل تحت شعار “الاستقرار بأي ثمن”.
ومع استمرار الصمت الرسمي السوري، تتقدّم بريطانيا خطوة بخطوة نحو زرع نفوذ جديد، لا يُرى بالعين المجردة، لكنه قد يرسم ملامح مستقبل سوريا لعقود قادمة.
