أقلام يورابيا

هل توقظ مورغان أورتاغوس يا ترى ما غفا في غياهب الزمان في لبنان؟

جمال دملج

مع تصاعد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية حول احتمال انضمام لبنان إلى ركب الاتفاقات الإبراهيمية، وفي ضوء إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن أمله في تحقيق هذا الانضمام المشترك مع سوريا، تتجه الأنظار إلى زيارة نائبة المبعوث الرئاسي الأميركي إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، المرتقبة إلى بيروت، بما تحمله من دلالات ورسائل وملفات بالغة الأهمية.

ليست أورتاغوس جديدة على الساحة اللبنانية. فمنذ تولّيها مهامها كمتحدثة سابقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، عبّرت مرارًا عن مواقف جريئة وصريحة تجاه “حزب الله”، معتبرة إياه ليس فقط ميليشيا مسلحة خارج إطار الدولة، بل “وكيلًا إيرانيًا يختطف القرار اللبناني”، على حدّ تعبيرها. هذه التصريحات لم تأتِ في سياق دعائي أو إعلامي عابر، بل ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تسعى واشنطن من خلالها إلى إعادة رسم التوازنات في المنطقة، وربما إعادة ترميم العلاقات اللبنانية – الأميركية على قاعدة أكثر وضوحًا وشفافية.

بين الواقعية السياسية والحسابات الجيوستراتيجية

من المتوقع أن تحمل أورتاغوس معها إلى بيروت حزمة من الملفات الأساسية أبرزها:

أولًا، استطلاع إمكانات الانخراط اللبناني في الاتفاقات الإبراهيمية، لا سيما في ضوء تحولات إقليمية عميقة طرأت على المشهد العربي، شملت تطبيع علاقات عدد من الدول الخليجية والمغاربية مع إسرائيل، فضلًا عن بروز تململ شعبي متزايد في لبنان من كلفة المواجهة المفتوحة مع الدولة العبرية، والتي لم تعد تجد ما يبررها في الواقع الجيوسياسي الراهن.

ثانيًا، الضغط باتجاه تحجيم نفوذ “حزب الله” داخل المؤسسات اللبنانية، وتفعيل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، خصوصًا القرار 1559 الذي يدعو إلى نزع سلاح جميع الميليشيات غير الحكومية، والقرار 1701 الذي أُقرّ عقب حرب تموز 2006.

ثالثًا، تشجيع مسار إصلاحات اقتصادية – سياسية تكون مدخلًا لتلقي مساعدات أميركية مشروطة، قد ترتبط بمدى تجاوب الدولة اللبنانية مع الخطط الأميركية – الإسرائيلية لإعادة الاستقرار إلى جنوب لبنان، وضبط الحدود مع إسرائيل، ومراقبة الأنشطة العسكرية غير الرسمية.

رابعًا، فتح قنوات خلفية مع شخصيات ومرجعيات لبنانية معتدلة تُبدي استعدادًا للانخراط في حوار حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل، بما في ذلك طرح فكرة “تفاهم مرحلي” يُهيّئ الأجواء للسلام، دون المساس المباشر بالمواقف العلنية للدولة اللبنانية.

الذاكرة التاريخية تتكلم

ليس من العبث أن يُعاد اليوم نبش الماضي اللبناني – الإسرائيلي. فلبنان كان الدولة العربية الأولى التي وقّعت اتفاقية هدنة مع إسرائيل عام 1949، بعد عام فقط من إعلان قيام الدولة العبرية. وعلى الرغم من التوترات التي أعقبت ذلك، فإن عقدي الخمسينيات والستينيات شهدا ذروة الازدهار اللبناني في ظل حياد حكيم، جعل من بيروت “باريس الشرق” وجعل من لبنان “سويسرا الشرق”.

لكن النكوص بدأ مع دخول الفصائل الفلسطينية المسلحة إلى الساحة اللبنانية بعد نكسة عام 1967، ثم تعاظم مع نشوء المحور السوري – الإيراني الذي استخدم لبنان كساحة صراع مع إسرائيل. الحروب التي شنتها إسرائيل على الأراضي اللبنانية، سواء “عملية الليطاني” (1978)، أو “سلامة الجليل” (1982)، أو “حرب تموز” (2006)، وصولًا إلى المواجهة الأخيرة عام 2023، لم تكن في جوهرها ضد لبنان الرسمي أو شعبه، بل ضد “الأدوات العسكرية” التي اتخذت من الأراضي اللبنانية منصّة لضرب الداخل الإسرائيلي.

حتى عندما استهدفت إسرائيل مطار بيروت في أواخر الستينيات، فإن السبب كان استخدامه من قبل مجموعات فلسطينية لتنفيذ عملية في ألمانيا. كذلك، فإن العملية الشهيرة التي نفذها كوماندوس إسرائيلي في شارع فردان عام 1973، كانت تستهدف قادة فلسطينيين هم كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار لا شخصيات لبنانية.

ما لم يُقَل عن “اتفاق 17 أيار”

في عام 1983، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وقّعت الحكومة اللبنانية “اتفاقية 17 أيار” مع إسرائيل، برعاية أميركية، وبموافقة غالبية أعضاء البرلمان. لكن الرئيس أمين الجميّل، رغم كل الضغوط الإقليمية والدولية، امتنع عن المصادقة على الاتفاق بفعل ضغوط شخصيات لبنانية نافذة، أبرزها سليمان فرنجية، رشيد كرامي، نبيه بري، ووليد جنبلاط، تماهيًا مع استراتيجية الرئيس السوري حافظ الأسد الذي لم يكن ليرضى بأي مسار سلام منفصل من دون رعاية دمشق.

ومنذ ذلك الحين، أُغلق الباب أمام أي تسوية سياسية مع إسرائيل، لتدخل البلاد في نفق طويل من الحروب والتدخلات والتجاذبات الإقليمية، التي لم تترك للبنان فرصة واحدة ليلتقط أنفاسه.

غسان تويني… الصوت الصارخ في البرية

ولعل من أكثر الأصوات التي اختزلت مأساة لبنان موقفًا ومصيرًا، كانت تلك الصرخة الشهيرة التي أطلقها الراحل غسان تويني في الأمم المتحدة عام 1978، حين قال:

“إن أكثر ما يحتاج إليه لبنان في الوقت الحالي هو قرار عربي مشترك، إما بالدخول في حرب مع إسرائيل أو بالإبقاء على حالة الهدنة معها… إذا قرروا الحرب، فإن لبنان ضالع في حقيقة الأمر فيها، وإذا قرروا الإبقاء على الهدنة، فحرام أن يدفع لبنان وحده الضريبة عن كل العرب”.

واليوم وفي الخلاصة: هل يستفيق لبنان من غيبوبته؟

لقد دفع اللبنانيون، خلال أكثر من أربعة عقود، ثمنًا باهظًا لحملات دعائية شوّهت لهم تاريخهم، وطمست كل بادرة انفتاح كانت قد لاحت في أفق علاقتهم مع العالم. واليوم، تعود الساعة لتدقّ من جديد على أبواب التغيير. فهل تكون زيارة مورغان أورتاغوس مجرّد جولة دبلوماسية عابرة، أم بداية جدية لفتح نافذة حوار حقيقي يعيد للبنان موقعه الطبيعي كجسر تواصل لا كساحة صراع؟ هل توقظ مورغان أورتاغوس يا ترى ما غفا في غياهب الزمان في لبنان؟

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى