نيويورك تايمز: معركة سعد الجابري القانونية تكشف شبكة الأسرار بين واشنطن والرياض
من سعيد جوهر
واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إنّ المسؤول السعودي السابق سعد الجابري، الذي كان يوماً أحد أبرز العقول الأمنية في المملكة العربية السعودية وأكثرها اطلاعاً على أسرارها الحساسة، يجد نفسه اليوم في قلب معركة قانونية ودبلوماسية معقدة تمتد من الرياض إلى أوتاوا وواشنطن.
وأضافت الصحيفة أن الجابري، الذي كان يشرف على مليارات الدولارات من الأموال المخصصة لمشروعات الأمن والاستخبارات في المملكة، يعيش منذ سنوات في منفى اختياري بكندا، بعد خلاف عميق مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ويتهمه الأخير بالفساد واختلاس أكثر من خمسة مليارات دولار، وهي التهم التي تنظرها المحاكم الكندية في قضية رفعتها ضده شركة سكب القابضة المملوكة للدولة السعودية. ومن المقرر أن تبدأ المحاكمة العام المقبل.
وأوضحت نيويورك تايمز أن الجابري طلب مؤخرًا من محكمة اتحادية أمريكية في ولاية فيرجينيا إلزام عدد من المسؤولين الأمنيين الأمريكيين السابقين بالإدلاء بشهاداتهم في القضية، مؤكداً أن تلك الشهادات يمكن أن تبرئه وتثبت أن الأموال التي يُتهم باختلاسها استخدمت في برامج مكافحة الإرهاب التي كانت السعودية تديرها بالتنسيق مع واشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر.
من رجل أسرار الدولة إلى منفى الخلافات السياسية
ذكرت الصحيفة أن الجابري كان الذراع اليمنى لولي العهد السابق محمد بن نايف، الرجل الذي قاد برامج مكافحة الإرهاب في المملكة، وكان على صلة وثيقة بأجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية. لكن نفوذه تراجع بعد صعود الأمير محمد بن سلمان إلى السلطة، حيث أُقيل من منصبه عام 2015، وغادر المملكة بعد عامين خوفاً على سلامته.
وتابعت الصحيفة أن العلاقة بين الرجلين تحولت إلى صراع مفتوح بعد أن اتهم الجابري ولي العهد بمحاولة استدراجه إلى المملكة، بل وإرسال فرقة اغتيال إلى كندا في عام 2018، في عملية قال إنها تشبه الطريقة التي قُتل بها الصحافي جمال خاشقجي في إسطنبول. كما اتهم السلطات السعودية باحتجاز اثنين من أبنائه عام 2020 للضغط عليه وإجباره على العودة.
من جانبها، نفت الحكومة السعودية تلك الادعاءات، واعتبرت أن احتجاز أبناء الجابري مرتبط باتهامات بغسل الأموال، ووصفت ولي العهد الادعاءات بأنها محاولة “لتشتيت الانتباه عن جرائم مالية ضخمة”.
دعاوى متبادلة وامتياز “أسرار الدولة”
وأشارت الصحيفة إلى أن كلا الطرفين رفع دعاوى قضائية في أكثر من دولة لإثبات وجهة نظره.
ففي عام 2020، رفع الجابري دعوى ضد الأمير محمد بن سلمان أمام محكمة أمريكية في واشنطن متهماً إياه بإصدار أمر بمحاولة اغتياله في كندا، إلا أن المحكمة رفضت القضية لاحقًا بعد أن اعتبرت الأمير محصنًا من الملاحقة باعتباره مسؤولاً أجنبياً.
كما رفعت شركة سكب القابضة دعوى ضده في كندا، وأخرى في ولاية ماساتشوستس لتجميد أصوله هناك. غير أن الحكومة الأمريكية تدخلت في القضية الأخيرة وطلبت رفضها استنادًا إلى ما يُعرف بـ “امتياز أسرار الدولة”، وهو مبدأ قانوني يمنع الكشف عن معلومات تعتبر حساسة للأمن القومي الأمريكي.
وأضافت نيويورك تايمز أن وزارة العدل الأمريكية أبلغت المحكمة الفيدرالية في فيرجينيا بأنها ستعارض طلب الجابري استدعاء المسؤولين الأمريكيين، بذريعة أن شهاداتهم قد تكشف معلومات سرية تتعلق بالتعاون الأمني بين واشنطن والرياض.
انتقادات لسياسة التعتيم القانوني
وقالت الصحيفة إن هذه القضية أعادت إلى الواجهة الجدل القانوني داخل الولايات المتحدة حول إساءة استخدام امتياز أسرار الدولة.
ونقلت عن الخبير القانوني جيفري فاغل قوله إن هذا الامتياز “كان يُفترض أن يكون أداة دقيقة مثل المشرط، لكنه أصبح يُستخدم كمطرقة لإغلاق القضايا التي قد تُحرج الحكومة”.
وأضاف أن القضاة الأمريكيين غالبًا ما يقبلون ادعاءات السرية دون تمحيص كافٍ، مما يجعل الامتياز وسيلة لإخفاء أخطاء أو تجاوزات بدلاً من حماية الأمن القومي.
أما إنغريد برونك، المحررة البارزة في المجلة الأمريكية للقانون الدولي، فقالت للصحيفة إن محاولة الجابري الجديدة في فيرجينيا قد لا تُفضي إلى نتائج ملموسة، لكنها تطرح أسئلة مشروعة حول “الحدود الزمنية للسرية الحكومية”، مضيفة: “لا يمكن أن تبقى كل المعلومات سرية إلى الأبد، خاصة إذا كانت ترتبط بقضية عدالة فردية”.
تدخل كندي وملف شديد الحساسية
أشارت نيويورك تايمز إلى أن المدعي العام الكندي تدخل بدوره في القضية لمراجعة الوثائق التي يسعى الجابري إلى تقديمها، مما أدى إلى تأجيل المحاكمة وإجراءات قانونية إضافية. ومن المتوقع أن تصدر المحكمة الكندية قرارًا بحلول نهاية العام بشأن السماح باستخدام أي من تلك الأدلة.
وترى الصحيفة أن القضية تمثل اختبارًا دقيقًا للعلاقات بين الولايات المتحدة وكندا والسعودية، إذ تتقاطع فيها المصالح الأمنية مع ملفات حقوق الإنسان والسياسة الداخلية السعودية. كما أنها تعيد إلى الواجهة التساؤلات القديمة حول ما إذا كان التحالف الأمريكي–السعودي، الذي تأسس على التعاون الأمني بعد هجمات 11 سبتمبر، يمكن أن يصمد أمام هذه النزاعات المعقدة.
صراع أسرار أكثر منه صراع أموال
وختمت نيويورك تايمز تقريرها بالقول إن قضية سعد الجابري لم تعد مجرد نزاع مالي أو قضائي، بل تحولت إلى صراع على الرواية والذاكرة داخل أجهزة الحكم السعودية، وامتحان لقدرة الدول الغربية على الموازنة بين العدالة والاعتبارات الأمنية.
وأضافت الصحيفة أن الغموض المحيط بالقضية — من مصدر الأموال إلى طبيعة العمليات الأمنية التي أُنفقت فيها — يجعلها واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين واشنطن والرياض خلال العقد الأخير، في وقتٍ تسعى فيه السعودية إلى إعادة رسم صورتها كقوة صاعدة، فيما يحاول الجابري الدفاع عن نفسه باعتباره ضحيةً لنظامٍ يخشى من أسراره القديمة أكثر مما يخشى من اتهاماته.
