نيويورك تايمز: الأكاديميون الإسرائيليون يجدون أنفسهم معزولين رغم وقف إطلاق النار في غزة
من سعيد جوهر
واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن الأكاديميين الإسرائيليين يعيشون واحدة من أكثر الفترات عزلة في تاريخ التعليم العالي في إسرائيل، إذ تزايدت المقاطعات الأكاديمية المفروضة على الجامعات الإسرائيلية في أوروبا منذ اندلاع الحرب على غزة، لتتضاعف خلال العامين الماضيين وتستمر حتى بعد وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي.
وأضافت الصحيفة أن المقاطعات — التي كانت في السابق محصورة في مبادرات فردية أو رمزية — تحولت إلى حملة مؤسساتية واسعة النطاق، أدت إلى تعليق التعاون البحثي ووقف برامج التبادل الطلابي، وحرمان أكاديميين إسرائيليين من المنح والمشاركة في المؤتمرات. وتأتي هذه الخطوات في سياق عزلة متنامية تعانيها إسرائيل دولياً بسبب ما تصفه منظمات حقوقية بـ«الفظائع في غزة».
قرارات غير مسبوقة في الساحة الأكاديمية الأوروبية
وأوضحت نيويورك تايمز أن أحد أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه كان ما حدث في الجمعية الأوروبية لعلماء الآثار، التي أبلغت 23 أكاديميًا إسرائيليًا قبل أسبوع من مؤتمرها الأخير بأن مشاركتهم ممكنة فقط إذا أخفوا انتماءاتهم المؤسسية. وجاء في رسالة مجلس إدارة الجمعية: «يجب تجنب أي إشارة إلى الانتماء إلى جهة إسرائيلية أو مؤسسة ممولة من إسرائيل».
القرار أثار دهشة وغضب الدكتور جاي دي شتيبل، رئيس مجلس الآثار الإسرائيلي وأستاذ علم الآثار في جامعة تل أبيب، الذي كتب في ردٍ لاذع:”لقد طمأنتم ضمائركم وتظاهرتم بالفضيلة، لكن هل سألتم أنفسكم ما الذي أنجزتموه حقًا؟”.
تحت ضغط من مسؤولين إسرائيليين وأكاديميين أوروبيين، تراجعت الجمعية عن قرارها قبل يوم واحد من المؤتمر، واصفةً ما حدث بأنه “خطأ متسرع”. إلا أن نيويورك تايمز تقول إن الحادثة لم تكن سوى عرض من أعراض عزلٍ أعمق تعانيه إسرائيل في الأوساط العلمية والثقافية الغربية.
أسباب المقاطعة: من حقوق الإنسان إلى علاقة الجامعات بالجيش
أضافت الصحيفة أن مسؤولين في عدد من الجامعات الأوروبية برروا قرارات المقاطعة بالاستناد إلى تقارير أممية ومنظمات حقوقية تتهم إسرائيل بارتكاب «جرائم إبادة جماعية» في غزة. وتؤكد هذه المؤسسات أن التعاون الأكاديمي مع الجامعات الإسرائيلية غير أخلاقي لأنها “مرتبطة عضوياً” بالصناعات الدفاعية والعسكرية الإسرائيلية.
وقال راؤول راموس، نائب رئيس جامعة برشلونة، للصحيفة:”كانت التكنولوجيا القادمة من الجامعات الإسرائيلية تُستخدم في قتل الفلسطينيين. لا يمكننا أن نتعاون مع مؤسسات تُسهم في الحرب”.
ومع ذلك، أوضح أن المقاطعة لا تشمل الطلبة والباحثين الإسرائيليين بشكل فردي.
وفي المقابل، انتقد رؤساء الجامعات الإسرائيلية هذه المواقف، معتبرين أنها “تخلط بين الحكومة الإسرائيلية والمؤسسات الأكاديمية المستقلة”. وقال البروفيسور دانييل تشاموفيتز، رئيس جامعة بن جوريون في النقب:”من المفارقة أن حكومتنا تنظر إلينا كمعارضين، بينما أوروبا تعاقبنا على أفعالها”.
وأشار إلى أن الجامعات الإسرائيلية طالبت مرارًا بوقف الحرب وإعادة الأسرى، مذكّرًا برسالة مفتوحة وقّعها رؤساء خمس جامعات كبرى في أغسطس/آب الماضي، دعوا فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى معالجة أزمة المجاعة في غزة وإنهاء العمليات العسكرية.
تصاعد العزلة الأكاديمية
وبحسب ما نقلته نيويورك تايمز عن الدبلوماسي الإسرائيلي السابق إيمانويل نحشون، الذي يرأس فريق العمل المكلّف بمواجهة المقاطعة، فإن نحو 50 جامعة ومؤسسة أوروبية أوقفت تعاونها مع نظيراتها الإسرائيلية بشكل كلي أو جزئي منذ بدء الحرب، بينما وثّق فريقه أكثر من 1000 حالة مقاطعة أكاديمية، تشمل إنهاء مشاريع بحثية مشتركة ورفض تمويل دراسات يقودها باحثون إسرائيليون.
وتتركز المقاطعة، بحسب الصحيفة، في بلجيكا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا، حيث تبنت جامعات مثل غنت وأمستردام وبرشلونة سياسات حازمة في هذا الاتجاه.
وأكد بوب مونتن، المتحدث باسم جامعة أمستردام، أن القرار لم يكن سياسيًا بل أخلاقيًا، قائلاً:”خلصت هيئات دولية مستقلة إلى وقوع إبادة جماعية. لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي”.
بين أوروبا والولايات المتحدة: ازدواجية في الموقف الأكاديمي
وأشارت الصحيفة إلى أن المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل تبقى محدودة في الولايات المتحدة، حيث تواجه الجامعات ضغوطاً سياسية كبيرة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي جعلت من «محاربة معاداة السامية في الجامعات» أولوية.
ففي يوليو/تموز الماضي، أعلنت جامعة هارفارد عن برنامج بحثي جديد مع جامعة بن جوريون ومنحة لما بعد الدكتوراه للباحثين الإسرائيليين، بعد أسابيع فقط من اتهامها من قِبل وزارة التعليم الأمريكية بالتقاعس عن حماية الطلاب اليهود.
ونقلت الصحيفة عن ميليت شامير، نائبة رئيس جامعة تل أبيب، قولها إن الضغط الأمريكي كان له “تأثير علاجي” في الجامعات، حيث خفف من حدة المقاطعة لكنه “قمع النقاش الحر حول الحرب في غزة”.
وقالت شامير:”الخط الفاصل بين معاداة السامية وانتقاد السياسات الإسرائيلية أصبح غير واضح، مما جعل كثيرين يتجنبون الخوض في النقاش”.
مقاطعة تؤذي العرب أيضًا
ولفتت نيويورك تايمز إلى أن المقاطعة الأكاديمية تطال في الواقع شرائح عربية داخل إسرائيل نفسها، إذ يشكل الطلاب العرب نحو 19% من إجمالي طلاب الجامعات في البلاد. وقال البروفيسور تشاموفيتز إن المقاطعة “تعاقب ضحايا الحرب قبل منفذيها”، مشيرًا إلى أن جامعته فقدت 75 طالبًا وأستاذًا خلال هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وأضاف:”في البداية ظننت أنني سأحضر جنازات جميعهم. ثم أدركت أن عددهم يفوق قدرتي على العد”.
تاريخ طويل من التعاون العلمي الألماني ـ الإسرائيلي
وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن ألمانيا تمثل استثناءً واضحًا في المشهد الأوروبي، إذ حافظت على شراكاتها البحثية مع الجامعات الإسرائيلية حتى أثناء الحرب. وقالت البروفيسورة ميليت شامير، التي التقت مؤخرًا بشركاء أكاديميين ألمان في برلين، إن العلاقة بين الجامعات الألمانية والإسرائيلية “تاريخية ومبنية على التبادل العلمي بعد الحرب العالمية الثانية”، مضيفة أن ألمانيا لا تزال “الوجهة الأوروبية الأهم للتعاون الأكاديمي الإسرائيلي بعد الولايات المتحدة”.
وأضافت الصحيفة أن هذا التباين في المواقف يعكس انقسامًا أعمق داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع إسرائيل بعد حرب غزة — بين من يرى المقاطعة واجبًا أخلاقيًا، ومن يخشى أن تتحول إلى أداة لمعاقبة البحث العلمي والحوار الأكاديمي.
