تحقيقات

مركز تقدم للسياسات: انسحاب “فاغنر” من مالي تحوّل استراتيجي في سياسة روسيا الإفريقية

لندن ـ يورابيا ـ قال مركز تقدم للسياسات – وحدة الشؤون الإفريقية إن قرار مجموعة “فاغنر” الروسية إنهاء مهامها في مالي ومغادرة البلاد، يمثل تحولًا لافتًا في مقاربة موسكو تجاه القارة الإفريقية، ويؤشر على إعادة تموضع عسكري روسي يستجيب لضغوط إقليمية، لا سيما من الجزائر.

وأوضح المركز في ورقة تقدير موقف أن مهمة “فاغنر” التي بدأت منذ 2021، واجهت تحديات ميدانية وأمنية، وأدت إلى تآكل ثقة الدولة المالية، وتصاعد العنف، ما دفع بعض المحللين إلى اعتبارها “عبئًا أكثر من كونها حلًا”، رغم الدعم العسكري الذي قدمته.

وأضاف المركز أن “الفيلق الأفريقي” التابع لوزارة الدفاع الروسية سيحل مكان “فاغنر” في مالي، في خطوة تؤكد استمرار النفوذ الروسي في المنطقة ولكن بأسلوب مختلف، حيث يُتوقع أن تركز المهام الجديدة على التدريب وتوفير المعدات، بدلاً من الانخراط المباشر في العمليات القتالية.

وأشار التقدير إلى أن الضغط الجزائري لعب دورًا حاسمًا في إنهاء وجود “فاغنر”، خاصة بعد توقيع اتفاق عسكري بين الجزائر والقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) في يناير 2025، وتعبير الجزائر رسميًا عن قلقها من وجود قوات شبه عسكرية على حدودها مع مالي وليبيا.

ولفت “تقدم” إلى أن دولاً أخرى مثل مصر وتونس شاركت الجزائر القلق من “خصخصة الأمن” وانتشار نماذج الميليشيات الخاصة على غرار “فاغنر”، ما أثار مخاوف من تفكك الدول المركزية ونشوء “دويلات” متمردة في منطقة الساحل.

وبيّن التقرير أن انسحاب “فاغنر” لا يعني تراجع النفوذ الروسي في مالي، بل تحولاً تكتيكياً في الحضور العسكري، حيث رُصد مؤخراً نشر أكثر من 2000 عنصر من “الفيلق الأفريقي”، إضافة إلى دبابات T-72B3 ومدرعات BMP-3، في العاصمة باماكو ومناطق استراتيجية في الجنوب والوسط.

وقال المركز إن موسكو تسعى عبر هذا التحول إلى ترميم علاقاتها مع الجزائر، التي توصف بأنها شريك استراتيجي مهم، خاصة في ظل موقفها المساند لروسيا في حرب أوكرانيا، وامتعاضها من بعض السياسات الروسية في الساحل والملفات ذات الصلة بمجموعة “بريكس”.

كما أضاف المركز أن تجربة “فاغنر” أظهرت محدودية فعالية المقاربة الأمنية الصرفة، وعززت من فرص الجماعات المسلحة التي بدأت تستفيد من دعم دولي مضاد لروسيا، مشيرًا إلى أن “الفيلق” يمثل إطارًا رسميًا أكثر انضباطًا قد يخفف من المخاوف الإقليمية ويمنح موسكو موطئ قدم أكثر قبولًا في المنطقة.

ونبّه المركز إلى أن بعض التحليلات تتحدث عن احتمال حدوث انقلاب عسكري جديد في مالي، في ظل ضعف الحكومة الانتقالية، وانهيار تماسك الجيش، وتصاعد الصراع بين الفرقاء، وسط إشارات إلى دعم روسي جزائري محتمل، وصمت دولي ملحوظ.

واختتم مركز تقدم تقديره بالتأكيد على أن روسيا لا تزال تعتبر أفريقيا ساحة استراتيجية لاستعادة نفوذها السابق، وتسعى لتقديم نفسها شريكاً “نظيفاً من الإرث الاستعماري”، خاصة في مناطق غنية بالموارد وتفتقر إلى شركاء دوليين مستقرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى