السلايدر الرئيسيحقوق إنسان

فلسطين: ثلاثة أشخاص تجمعهم الإعاقة مبدعون لو تخلص المجتمع من “إعاقته” ونظرته لهم

فادي أبو سعدى

يورابيا ـ رام الله ـ من فادي أبو سعدى ـ علاء، جورج وناصر، ثلاثة فلسطينيين جمعتهم الإعاقة على اختلافها، لكنهم مبدعون في أعمال التحفيات الشرقية المصنوعة من خشب الزيتون، وهي الصناعة السياحية التي تشتهر فيها فلسطين بحكم موقعها الديني، لوجود كنيسة المهد في بيت لحم، والمسجد الأقصى في القدس المحتلة.

يلتقي ثلاثتهم في مؤسسة حملت اسم “بيت يوسف” لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي زارتها “يورابيا” للوقوف على خدماتها وكيفية العمل على دمج من فيها في المجتمع المحلي. وقال أمير حموس أحد القائمين على المؤسسة أن المشروع يحمل اسم “المحبة إلى العمل” بهدف دعم العائلات التي لديها من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتقديم المساعدة لهم.

وبدأت المؤسسة عملها في فلسطين منذ سبعة أعوام، لتشجيع وتحفيز ذوي الاحتياجات الخاصة نفسيًا على وجه الخصوص نحو الاندماج الطبيعي في المجتمع، عبر زيارة عائلاتهم وتقديم النصح لهم، ورؤية واقعهم وكيف يتم التعامل معهم. وأول ما تعمل عليه المؤسسة هو توفير الأمان لهؤلاء الأشخاص، وتوفير الراحة لهم بعيدًا عن ضغط الحياة والعمل. بعد ذلك يتم تقييم قدراتهم والعمل على إعطائهم المجال وتعليمهم على تقديم منتج ذو جودة جيدة في محاولة تجهيزهم للاستقلالية وإيجاد عمل لهم في المستقبل بعيدًا عن مساعدة المؤسسات.

وتقدم المؤسسة لهؤلاء الاشخاص كذلك نشاطات ترفيهية كي يشعروا أنهم طبيعيين وكي ينجحوا في التعامل مع محيطهم بشكل طبيعي، كما يتم تقديم وجبة غداء يومية داخل المؤسسة خلال العمل. ورغم أن المؤسسة تعيش ضائقة مالية بسبب القانون الإسرائيلي الأخير الذي أجبر الاجانب على المغادرة لمن مكثت خمس سنوات، إلا أن المؤسسة مستمرة في العمل قدر المستطاع لمساعدة من يحتاج إلى المساعدة.

وتعمل المؤسسة على تقديم “مصروف للجيب” لهؤلاء الشباب وهو دخل بسيط جداً، لكنه بالنسبة لهم يعني الكثير، ويعبر لهم عن استقلاليتهم، وأنهم تلقوا ذلك مقابل عملهم وتعبهم، وليس عليهم بالتالي طلب النقود من أحد، وهي إحدى السلوكيات الايجابية التي يجب أن تثبت فيهم.

علاء أحد ذوي الاحتياجات الخاصة، لديه قدرات كثيرة، لكنه يعاني من مشكلة في النطق السليم، وكذلك يعاني من شدة الحركة، وبالتالي لا يستطيع الاستمرار في أي شيء لأكثر من عشرة دقائق. وتعمل المؤسسة على تفريغ هذه الحركة الزائدة في أنشطة معينة ومفيدة، كي يتم الاستفادة منها.

وبالعادة يعطى لعلاء مهمات توصف بالسهلة، لكنها تتجاوز العشر دقائق كي يشعر أنه أنجز تحدٍ جديد في كل مرة، حيث يعمل علاء على ماكنة “حف الخشب” في المرحلة الأولى، ليحصل على نعومة معينة، قبيل انتقاله لمرحلة أخرى من العمل.

أما جورج فهو يعاني من متلازمة داون، عمره العقلي لا يتجاوز الثانية عشرة، لكنه في الحقيقة يبلغ من العمر 25 عامًا. لكنه يتحدث بطلاقة ويتواصل مع الجميع باحترام شديد وابتسامة لا تفارق وجهه، وقال مدير المؤسسة أن مثل جورج يمكن العمل على تطويره باستمرار. وهو يعمل على ماكنة “تخريم” الخشب ويقوم بقصه وفقًا لرسومات طبعت على الخشب بواسطة الحبر.

في حين يعمل ناصر، الذي يبلغ من العمر 44 عامًا ويعاني شلل الأطفال منذ الصغر، على إحداث فتحة في الخشب كيف يتم العمل بها على ماكنة التخريم من قبل زملاءه، وقد نجحت المؤسسة في ذلك بعد فحص قدراته، واكتشاف أن يده اليسرى قوية، بينما اليمني أضعف بكثير.

وتحدث مدير المؤسسة أنه في حالة ناصر، قصرت عائلته فيه من ناحية التعليم، خاصة أن عقله سليم بدرجة مئة بالمئة، وبالتالي عانى من الاهمال منذ الصغر، ونحن نحاول إعادته إلى الحياة بطرق مختلفة لدمجه في المجتمع حتى بعد هذا العمر المتقدم إلى حد كبير مقارنة بالحالات الأخرى التي نتعامل معها في المؤسسة.

ويلقي أمير اللوم على المجتمع ونظرته في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، فالناس تعطف عليهم لكن الأصل أن تتعاطف معهم وتقبل دمجهم في المجتمع كونهم مثلنا تمامًا، لكن ظروفهم مختلفة. وشرح كيف أن حالة من الحالات اتخذت سلوكًا سيئاً بسبب نظرة المجتمع. حيث كان أحد الاشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بينما يتجول في المدينة، الناس تقوم بإعطاءه النقود، فاعتقد أن عليه طلب النقود من الناس باستمرار دون الحاجة إلى العمل. لكننا قمنا بإعادة تأهيله من جديد في محاولة لإعادته على الطريق السليم، وهنا يأتي دور التوعية للمجتمع حول كيفية التعامل مع هؤلاء الاشخاص.

حتى في حالات التوحد، أول ما يقوله الناس “حرام هذا مسكين” رغم أنه لا يعاني من شيء، إنما فقط يفكر بطريقة مختلفة عن البقية. علينا الخروج من الصندوق قليلاً كي نتمكن من دمج الجميع في المجتمع وأنشطته وأن لا نبقى نفكر بطريقة كلاسيكية تجاه هؤلاء “البشر” لأنهم بشر بالفعل ومثلنا تمامًا، وكل منا له احتياجاته الخاصة، وليس هم فحسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى