
عادت فرنسا لتهديد المسؤولين الجزائريين بكشف ممتلكاتهم وأرصدتهم لديها بهدف إحراجهم أمام الرأي العام الجزائري والدولي. استعملت باريس مجددا أسلوب التسريبات الصحافية لكي تُبعد الحرج عن نفسها وتقلل من تبعات الموضوع في حال تطوَّر نحو الأسوأ.
في مرة سابقة غير بعيدة ذكر الإعلام الفرنسي، منطلقا من تسريبات، أن باريس بصدد وضع قائمة بما لا يقل عن 800 شخصية عمومية جزائرية «تمتلك أرصدة في فرنسا بطرق غير مشروعة». هذه المرة ورد في مجلة «لكسبرس» أن فرنسا تستهدف 20 مسؤولا جزائريا بكشف أسرارهم. في المرة المقبلة سيتغيّر الرقم بلا شك.
أحد أصدقائي يكرر باستمرار أن الأموال الجزائرية المُهرّبة نحو فرنسا كبيرة بحيث لو كشفت السلطات الفرنسية تفاصيلها ستقوم فتنة في الجزائر! لكن فرنسا لن تنشر. يكفيها الابتزاز والتهديد. لست بصدد التشكيك في وجود ثروات جزائرية غير مشروعة في فرنسا، لكن أتساءل إذا كانت الممتلكات حقاً غير مشروعة وبالأرقام المهولة التي يُلمّح إليها، فلماذا سكتت عنها فرنسا كل السنين الماضية؟ من هنا يبدأ المسعى الفرنسي فقدان مصداقيته وجدواه.
الموضوع في شكله ومضمونه، في هذه المرحلة من النزال، لن يخيف المسؤولين الجزائريين لأنه يفتقر إلى الجدية. لذلك أستبعد أن يدفع التهديد المسؤولين الجزائريين إلى مراجعة تشددهم في إدارة الأزمة مع فرنسا. وقد اتضح ذلك من الرد الجزائري الذي بثته وسائل الإعلام الحكومية وحتى الخاصة، والذي كان مفرطا في لغة التحدي.
بداية الخلل موجودة في الطريقة التي اختارتها السلطات الفرنسية في «تهديد» الجزائريين: التسريب الإعلامي. عادة تلجأ الحكومات إلى هذه الطريقة عندما لا تكون واثقة من تحركها، وعندما تتفادى تحمّل العواقب، وعندما لا تكون جادة في رغبتها في الإضرار بالخصم المستهدف من التسريب. لو كانت باريس واثقة من مسعاها وجادة ولا تخشى شيئا، للجأت إلى تنفيذ ما تريد من دون تهديد مسبق ومن دون تسريب إعلامي.
ويستمر الخلل: فرنسا آخر من يحق له التهديد. قبل الجزائريين الذين استثمروا أموالا، مشروعة وغير مشروعة، في العقارات والبنوك الفرنسية، فتحت فرنسا ذراعيها لعشرات المقرّبين من أوساط الحكم في ديكتاتوريات إفريقيا وآسيا، وبينهم انقلابيون ومجرمو حرب.. من تشاد إلى الكونغو وتوغو وكوت ديفوار وصولا إلى الأوليغارشيين الروس والأرمن وغيرهم. فرنسا غير مؤهلة لأنها تبحث من مسعاها إحراج أطراف ما بسبب خلافات ظرفية، وليس حرصا على أموال الشعب الجزائري المنهوبة. حتما يعرف المسؤولون الفرنسيون الذين يهددون نظراءهم الجزائريين بفضح ممتلكاتهم ظاهرة أفراد عائلات طغاة إفريقيا الذين هرّبوا ثروات بلدانهم إلى فرنسا واشتروا بها شققا فارهة في أجمل أحياء باريس. وحتما يعلم المسؤولون الفرنسيون أن نظراءهم الجزائريين مدركون لهذه الورقة وسيستعملونها في الرد عليهم. يستطيع الطرف الجزائري نسف التهديدات الفرنسية بالقول إن فرنسا التي تهددهم تمتنع في الوقت ذاته عن تسليمهم بعض كبار المسؤولين المطلوبين للقضاء الجزائري الذين اختاروا فرنسا موطنا لهم ولأموالهم، وعلى رأسهم الوزير السابق عبد السلام بوشوارب. وإذا ردّت فرنسا بأن القضاء لديها مستقل وبأنها تخشى عليهم من التعذيب والأحكام القضائية الجائرة، سيرد الجزائريون بسهولة: شفنا استقلالية قضائكم عندما يتعلق الأمر بغزة وإسرائيل!
تُشدّد سردية الطرف الجزائري على أن كثيرا من الذين هرّبوا أموالا إلى الخارج محسوبون على عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وبأن «الجزائر الجديدة» حاسبت من استطاعت منهم وتنتظر من فرنسا تسليمها الفارين لديها. وإذا ما تأكد وجود بعض المنتسبين إلى نظام عبد المجيد تبون، فالضرر سيكون أخف والتضحية بهم واردة وسهلة. النظام الجزائري يعتقد أن صموده في إدارة الأزمة مع فرنسا أكسبه شعبية تكفي لتحصينه من تبعات التهديد الفرنسي إذا ما تحوّل إلى فضيحة. ويرى أن منسوب الاستياء من فرنسا بين عامة الجزائريين وفي وسائط التواصل الاجتماعي سيعينه على التغلب على أيّ طارئ غير مرغوب مع فرنسا.
لم توضّح التسريبات الفرنسية هل تنوي باريس كشف الأموال والأرصدة ثم إعادتها للجزائر، أم ستكتفي بالتهديد في سياق اللعب السياسي. ما من شك أن الجزائريين سيكونون سعداء برؤية أموالهم تعود إليهم، لأن استباحة المال العام في البلاد هواية وطنية قديمة. لكن فرنسا، مثل سويسرا وربما أسوأ في تعطشها لتدفق الأموال الأجنبية، لن تعيد هذه الأموال لأنها غير صادقة، ولأن الذهاب بعيدا في التفاصيل سيدينها هي أيضا شعبيا وربما قضائيا.
عندما يوضع التهديد بكشف قوائم الأسماء والأرصدة في سياقه السياسي المأزوم بين البلدين يفقد جدواه وتقل مصداقية أصحابه. فلو كانت العلاقات بين البلدين بخير لَما أشهرت فرنسا موضوع الممتلكات غير المشروعة، ولا أحد من الطرفين سيهدد الآخر بما يمتلك من أوراق، ولو فعل قد يُعرّض نفسه للتوبيخ ولتهمة الإساءة لدولة صديقة ولرموزها.
وحتى لو أثبت المسؤولون الفرنسيون أنهم جادون في مسعاهم وذاهبون فيه إلى نهايته، ستقف في طريقهم عوائق عملية وقانونية.. نصوص ولوائح تُبطئ الإجراءات، وفي أسوأ الأحوال تمنع المصارف الفرنسية وغيرها من الجهات الرسمية من كشف ممتلكات الناس حتى في وجود شبهات في طريقة اكتسابها. المحاسبة الدقيقة الجادة ستضطر السلطات الفرنسية للتدقيق في مَن اكتسب ماذا وأين ومتى وكيف. وهذه عملية مضنية ومكلفة تتطلب الدقة والإنصاف، ليست فرنسا مضطرة لها «من أجل في سياق سياسي سيتغير عاجلا أم آجلا»، وكلفتها أكثر من ربحها.
كاتب صحافي جزائري
عن صحيفة القدس العربي اللندنية