“فاينانشيال تايمز” تكشف تفاصيل تورط مجموعة بوسطن الاستشارية وشركاء سابقون لـ”سي اي ايه” لادارة مشروع تهجير في غزة و9000 دولار لكل لاجئ
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة فاينانشيال تايمز في تحقيق استقصائي جديد إن مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، واحدة من أبرز شركات الاستشارات العالمية، شاركت بشكل أعمق وأوسع نطاقًا مما كان معلنًا في مشروع إنساني مثير للجدل في قطاع غزة، حيث وضعت نموذجًا ماليًا يتضمن سيناريوهات لتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من القطاع، في إطار خطة مساعدات ودعم مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأوضحت الصحيفة أن المشروع، الذي أُطلق عليه اسم رمزي “أورورا”، استمر لأكثر من سبعة أشهر وشمل عقودًا بقيمة تزيد على أربعة ملايين دولار، حيث عمل فيه أكثر من اثني عشر موظفًا من مجموعة بوسطن الاستشارية، من بينهم كبار المسؤولين في قطاعات المخاطر والتأثير الاجتماعي بالشركة. وشهد المشروع مناقشات داخلية رفيعة المستوى تناولت الأبعاد المالية والإنسانية والاجتماعية لخطة إعادة إعمار غزة.
من بين أهم ما كشفه التحقيق أن الفريق الاستشاري وضع نموذجًا ماليًا متقدمًا يتضمن تقديرات تفصيلية لتكاليف تهجير ما يقرب من نصف مليون فلسطيني من غزة، مع تخصيص حزم مالية تُقدر بـ 9000 دولار لكل شخص. وتشير حسابات النموذج إلى أن تكلفة هذا التهجير الطوعي قد تصل إلى حوالي خمسة مليارات دولار، وهو ما يعكس حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية لإعادة إعمار القطاع.
وقالت مجموعة بوسطن الاستشارية في رد رسمي إن كبار المسؤولين في الشركة تعرضوا لتضليل متكرر من قبل شركاء مشروع محددين، وإن العمل في هذا المشروع تم دون تفويض رسمي من القيادة العليا، مشيرة إلى أن المشروع يعد انتهاكًا صارخًا لسياسات الشركة. وأضافت أنها أوقفت العمل فورًا، وأجرت تحقيقًا داخليًا مستقلًا، وقامت بطرد اثنين من الشركاء المسؤولين عن المشروع.
وأوضح التحقيق أن التعاون الأولي لمجموعة بوسطن الاستشارية جاء من خلال عقد مع شركة أمنية خاصة تُدعى “أوربيس”، التي تعمل في منطقة واشنطن، والتي كانت بدورها تعمل لصالح معهد بحث إسرائيلي يُدعى “تاشليت”. واختيرت مجموعة بوسطن الاستشارية بسبب علاقاتها بشخصيات كانت مرتبطة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، حيث شغل بعض الشركاء المفصولين سابقًا مناصب استشارية في الشركة.
وفي مراحل لاحقة، ساهمت المجموعة في تقديم خطط عمل تفصيلية لشركتين مرتبطتين بالمشروع: “سيف ريتش سوليوشنز” (SRS)، وهي شركة أمنية مسؤولة عن جهود التوزيع، ومؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، التي تدير مراكز توزيع المساعدات في القطاع. وتضمن هذا الدعم الاستشاري تطوير استراتيجيات النقل والإمداد، وتقييم عروض شركات المقاولات والبناء، وتقديم المشورة المالية.
وقد أثير جدل واسع حول المشروع بسبب طبيعة الجهات التي تُشرف على عمليات التوزيع، حيث تتولى القوات الإسرائيلية تأمين المراكز، في حين يتولى متعاقدون أمنيون أمريكيون العمل داخل المواقع. وقد أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا عن تخصيص مبلغ 30 مليون دولار لتمويل هذه الجهود، التي كانت حتى فترة قصيرة محاطة بدرجة كبيرة من السرية.
وقد أدانت منظمات دولية، ومن بينها الأمم المتحدة، هذا النظام بوصفه غطاءً لأهداف عسكرية إسرائيلية، مما دفع منظمات إنسانية للامتناع عن التعاون معه. كما أشار التقرير إلى مقتل أكثر من 400 فلسطيني خلال محاولاتهم الوصول إلى مواقع التوزيع، ما أثار انتقادات واسعة بشأن مخاطر المشروع على المدنيين.
وأوضح التحقيق أن العمل الذي قامت به مجموعة بوسطن الاستشارية لم يُكشف عنه سابقًا بشكل كامل، إذ وُصفت مشاركتها بأنها كانت في إطار مشروع خيري بدأ في أكتوبر 2024، بهدف المساعدة في تأسيس منظمة إغاثة تتكامل مع جهود الإغاثة القائمة. إلا أن العمل اللاحق الذي تضمن مرحلة تنفيذية مدفوعة، تم بدون تفويض رسمي، مما أدى إلى تضارب داخلي ومخاوف أخلاقية.
وأشار التقرير إلى أن الفريق الذي عمل على المشروع في قسم التأثير الاجتماعي بالشركة خصص له أكثر من مليون دولار لتغطية ساعات العمل التطوعي، مع وجود “حواجز حماية” نصت على تجنب استدعاء مستشارين من الشرق الأوسط أو إسرائيل، تجنبًا لأي تحيز محتمل.
وتحوّل المشروع مع مرور الوقت إلى عمل مدفوع الأجر، حيث أبرمت المجموعة عقدًا مع شركة مالية خاصة هي “ماكنالي كابيتال”، التي تمتلك شركة أوربيس الأمنية، لتقديم خدمات استشارية لتأسيس عمليات SRS وGHF على الأرض من تل أبيب. وقد تطور حجم العمل ليصل إلى حوالي 4 ملايين دولار، مع وجود عدة مستشارين متواجدين في تل أبيب على مدار أشهر.
وكان العقد الأولي ينص على تقديم ثمانية أسابيع من العمل في تل أبيب، لكنه تم تمديده لشهرين إضافيين في مايو 2025، بالتزامن مع استعداد SRS لبدء توزيع المساعدات فعليًا.
وسلط التحقيق الضوء على أن التمويل الخاص بمؤسسة GHF وSRS ظل غامضًا حتى بالنسبة لأعضاء فريق BCG، وإن كان هناك تعهدات مالية بمبالغ تصل إلى مئة مليون دولار من دولة لم يُكشف عنها. كما توقع القائمون على المشروع أن يحظى بدعم متعدد الأطراف من عدة دول ومنظمات غير حكومية.
ومع ازدياد الضغوط والمخاوف من طبيعة المشروع، وسقوط قتلى فلسطينيين خلال محاولاتهم الحصول على المساعدات، وتزايد المعارضة من المجتمع الإنساني، قررت مجموعة بوسطن الاستشارية في 25 مايو/أيار 2025 سحب فريقها من تل أبيب ووقف العمل، مع رفض استلام أية أتعاب.
في اليوم ذاته، استقال الرئيس التنفيذي لمؤسسة GHF، جيك وود، معلنًا أن استمرار المشروع في تلك الظروف يتعارض مع المبادئ الإنسانية للحياد، مما أثار موجة من الانتقادات في الأوساط الإنسانية والسياسية.
وأفاد تقرير داخلي أن الشركاء المفصولين، مات شلويتر وريان أوردواي، الذين قادوا المشروع، طلب منهما تقديم استقالتهما في الرابع من يونيو/حزيران، وأن الشركة تستعين بشركة محاماة خارجية لإجراء تحقيق مستقل في “فشل العملية”.
وقال كريستوف شفايزر، الرئيس التنفيذي لمجموعة بوسطن الاستشارية، في رسالة إلى موظفي الشركة: “نحن نتحرك بسرعة وجدية لنتعلم من هذا الوضع ونضمن عدم تكراره. لطالما كان طموحنا المساهمة في استجابات إنسانية فعالة ومستدامة. نحن ملتزمون بقيمنا، ونقبل مسؤوليتنا عن الإخفاقات، ونتعامل بتواضع مع كيفية المضي قدمًا”.
يأتي هذا الكشف في وقت تشهد فيه صناعة الاستشارات تزايدًا في التدقيق بشأن الأدوار التي تلعبها شركات كبرى في مناطق النزاعات، وتأثير مشاركتها على المبادئ الإنسانية والأخلاقية. ويبرز هذا التحقيق مثالًا على تعقيدات دمج العمل الاستشاري مع الأبعاد السياسية والأمنية في سياقات الأزمات.