صراع المحاور الدولية والخليجية في سوريا.. الشرع بين الضغوط الدولية وخيار التطبيع أو الإقصاء والانفجار بوجه الجميع
من سعيد إدلبي

دمشق ـ يورابيا ـ من سعيد إدلبي ـ تتسارع التطورات خلف الكواليس في الملف السوري، لا سيما حول موقع الرئيس الانتقالي احمد الشرع الذي تشير تسريبات دبلوماسية إلى أنه بات في قلب لعبة دولية معقدة، تقودها أطراف غربية وعربية وإسرائيلية، ضمن سباق للسيطرة على مستقبل سوريا السياسي والعسكري.
مصادر مطلعة على فحوى المحادثات كشفت أن وفدًا بريطانيًا رفيع المستوى أبلغ أحمد الشرع، بلهجة حازمة غير مسبوقة، بأن مهمته ليست البقاء في السلطة، بل إدارة مرحلة انتقالية يُفترض أن تنتهي بتفكيك “الفكر الجهادي” وتهيئة البلاد لتسوية شاملة، في مقدمتها تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
الرسالة البريطانية كانت مباشرة “نحن اخترناك لأنك الأقدر على إنهاء ملف الجماعات الجهادية، وبالنصر الذي أتيت به يمكن تهيئة سوريا للسلام مع إسرائيل. لكننا نرى أنك ترتب الأمور لتبقى في الحكم للأبد، وهذا لن نسمح به.”
وما زاد من حدة الرسالة هو أول اجتماع علني عقده الوفد البريطاني مع منظمات مجتمع مدني في دمشق، من بينها منظمة ترأسها شذا العلي، ما اعتُبر إشارة واضحة موجهة للشرع بأن الدعم الدولي ليس مطلقًا أو دائمًا.
في موازاة ذلك، نقل سفير واشنطن في انقرة ومبعوث الرئيس الأمريكي الى سوريا توماس باراك مؤخرًا رسالة أكثر صرامة، مفادها أن إسرائيل لم تعد مستعدة لقبول أي مماطلة.
وقال للشرع صراحة: “لم يعد هناك خيار، إما أن توافق على التطبيع أو ستعمل إسرائيل على إسقاط حكمك”.
في هذا السياق، توجه الشرع إلى الإمارات وعقد اجتماعًا مغلقًا مع الرئيس الاماراتي محمد بن زايد بحضور مباشر عبر الكونفرنس كول لكل من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث قال ابن زايد: “الرجل جاهز للتفاهم على كل شيء باستثناء إعلان التخلي عن الجولان الآن”، لكن نتنياهو رفض المقاربة، مؤكدًا أن “ما بعد 7 أكتوبر ليس كما قبله”، وأن زمن الاتفاقات السرية “قد انتهى”.
ورغم تمسك إسرائيل بشرط الإعلان العلني عن بند التخلي عن الجولان، ضغط ابن زايد على الشرع لتمديد إقامته يومًا إضافيًا في أبوظبي، على أمل أن يتمكن من إقناع ترامب بالضغط على نتنياهو للتخلي عن هذا الشرط. عاد الشرع إلى دمشق، لكن المفاوضات بقيت معلقة، في ظل ضغوط أمريكية وخليجية هائلة تُمارس حاليًا على إسرائيل لتقديم تنازل تكتيكي عبر “تأجيل الإعلان” عن بند الجولان، مقابل تنفيذ الاتفاق الأمني.
الانقسام الإسرائيلي بشأن مستقبل العلاقة مع سوريا يُعقّد المسار. فهناك تياران بارزان في تل أبيب يرفضان التوصل إلى سلام مع النظام الحالي.
الأول يرفض السلام مع الشرع تحديدًا، ويصفه بالمخادع الذي تلاعب بهم سابقًا، عندما دعم ترشيح أيمن الأصفري لكنه رفض مطالب الغرب بإنشاء حكم تشاركي ومؤسساتي.
أما التيار الثاني، وهو ديني متشدد، فيرفض السلام مع سوريا بالمطلق، كونها ضمن “الخطين الأزرقين” في العلم الإسرائيلي، ويرى أن الهدف الاستراتيجي هو السيطرة الكاملة عليها ضمن ما يُعرف بـ”ممر داوود”.
ومع ذلك، فإن تيارًا قويًا داخل الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات يميل إلى الموافقة على الاتفاق، حتى وإن لم يتضمن إعلانًا علنيًا فوريًا بشأن الجولان، معتبرين أن “الفرصة تاريخية”.
هذا التيار يرى أن حافظ الأسد وبشار الأسد رفضا دائمًا التنازل العلني عن الجولان، لكنهما قدّما خدمات استراتيجية لإسرائيل من خلال كبح المقاومة فيه ونقلها إلى لبنان، بدعم حزب الله والفصائل الفلسطينية، وهو ما سمح باستمرار حكمهما دون صدام مباشر مع تل أبيب.
السيناريو المرجح، بحسب المعطيات، أن إسرائيل قد ترضخ للضغوط، وتتنازل عن شرط الإعلان المباشر عن الجولان، مقابل اتفاق أمني يتمثل في إقامة ثلاث مناطق عازلة جنوب سوريا، مع السماح لإسرائيل بالتوغل متى شعرت بالتهديد، إضافة إلى سحب السلاح الثقيل من الجنوب، بينما يبقى الجولان بالكامل تحت السيطرة الإسرائيلية الفعلية. ويُتوقع أن يُبرم الاتفاق تحت عنوان فضفاض مثل “تفاهمات أمنية متقدمة”، دون التطرق صريحًا لمسألة السيادة.
من زاوية الموقف الشعبي السوري، فلا أحد يعارض سلامًا حقيقيًا يعيد الجولان كاملاً إلى السيادة السورية، ويشمل تعويضات عن احتلاله، مع احترام سيادة دمشق على أراضيها وقرارها السياسي والعسكري. لكن القبول باتفاق يُبقي الجولان تحت الاحتلال، مقابل ضمانات بعدم إسقاط النظام، يُنظر إليه كاستسلام سياسي، يحقق مصالح شخصية ضيقة على حساب الوطن والشعب، ويثير موجة غضب مكتوم ضد من يسوّقون له.
خليجيا تظهر قطر رفضًا واضحًا لأي مساعٍ لتطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل، في حين تُمارس كل من السعودية والإمارات ضغوطًا مكثفة لدفع دمشق نحو هذا المسار. تمتلك قطر العديد من الأدوات والخيارات للضغط على النظام السوري، إلا أن محاولات الشرع لاستبدال إمدادات الغاز القطري بالأذربيجاني تواجه تحديات جذرية، إذ أن خط الأنابيب الناقل من أذربيجان مرورًا بتركيا وصولًا إلى إسرائيل يخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، مما يقلل من جدوى هذه المبادرة عمليًا.
هذا الإحباط يتفاقم في ظل الفشل المتراكم للمعارضة السياسية والعسكرية، التي تُركت لمصيرها من دون أدوات حقيقية للمحاسبة أو الحكم. فقد أُفرغت الساحة السياسية من معارضة فاعلة، وتم منح الشرع تفويضًا شبه مطلق، من دون وجود مجلس رقابي، أو مجلس شعب حقيقي، أو لجنة مساءلة داخل الهيئة الحاكمة.
وفي مشهد عبثي، تولّى رئاسة لجنة إعداد مجلس الشعب أحد المهندسين الزراعيين الذين لا يملكون أدنى إلمام بالأنظمة الانتخابية، ما يعكس عمق الأزمة السياسية والانحدار المؤسسي في المشهد السوري المعارض.
في الخلاصة، سوريا تقف على مفترق طرق مفصلي: فإما مسار تسوية على قاعدة توازن المصالح وتنازلات متبادلة، تحفظ السيادة وتُمهّد لمصالحة تاريخية، أو استمرار السير في طريق التنازلات مقابل بقاء مؤقت في الحكم، وهو ما قد يؤدي إلى تفكك داخلي أكبر، وانفجار مؤجل في وجه الجميع.