صحيفة واشنطن بوست: بعد سنوات من الدعم.. العالم يترك السوريين وحدهم في مواجهة المرض والجوع
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية إن سوريا تخسر شريان الحياة الإنساني مع تراجع الولايات المتحدة وأوروبا عن تقديم المساعدات الخارجية، مما يُنذر بأزمة إنسانية متفاقمة في البلاد التي أنهكتها الحرب.
وأضافت الصحيفة أن سقوط النظام الدكتاتوري في سوريا العام الماضي قد أنهى صراعًا أهليًا طويلًا ودمويًا استمر لسنوات، غير أن هذا التحوّل السياسي لم يجلب الراحة المنشودة لملايين السوريين، الذين ما زالوا يعيشون في ظل دمار واسع النطاق ونظام رعاية صحية منهار.
وأشارت الصحيفة إلى أن البنية التحتية الصحية في سوريا كانت تعاني أصلًا من حالة شديدة من التردي، قبل أن تتدخل منظمات غير حكومية لسد بعض الثغرات، غالبًا بتمويل أوروبي وأميركي، إلا أن هذا الشريان الداعم بدأ يتقلص بشكل ملحوظ.
ووفقًا للصحيفة، فإن الولايات المتحدة، التي كانت تعتبر أكبر مانح لسوريا بمساعدات فاقت 18 مليار دولار خلال 14 عامًا من الحرب، قامت مؤخرًا بتجميد جميع برامج مساعداتها الخارجية. كما قامت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بحل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، ما زاد من حدة الأزمة.
ونقلت الصحيفة عن ميشيل كولومبل، المسؤولة في منظمة “مهاد” – وهي منظمة غير حكومية فرنسية سورية تدير أكثر من عشرين مركزًا صحيًا في سوريا – قولها إن تخفيضات التمويل الأميركي، إضافة إلى انكماش الدعم الأوروبي، كانت “كارثية” على قطاع الرعاية الصحية، لا سيما في شمال سوريا، حيث يعيش ملايين النازحين بسبب النزاع.
ورغم أن منظمة “مهاد” لم تكن تتلقى دعمًا مباشرًا من الحكومة الأميركية، إلا أن الصحيفة أوضحت أن المنظمة تأثرت بشدة نتيجة خسارة شركائها المحليين والدوليين للتمويل، ما أدى إلى إغلاق عدد من العيادات وتحميل منشآت “مهاد” عبئًا إضافيًا من المرضى، وسط سباق محتدم للحصول على موارد إغاثية محدودة ومتضائلة.
وقالت الصحيفة إن نقص التمويل يتسبب في تفاقم المخاطر الصحية على السكان. ففي منطقة أعزاز شمال حلب، وثّق العاملون في مراكز “مهاد” 20 حالة من سوء التغذية الحاد خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وأضافت الصحيفة أن مخزون “مهاد” من أغذية الأطفال المغذية مثل “بلامبي ناتس” قد نفد، وهي مواد كانت عادةً تُوفَّر من قبل منظمة “أنقذوا الأطفال”، التي أعلنت في أبريل/نيسان إغلاق 40% من برامجها في سوريا نتيجة خفض التمويل.
ووفقًا لما نقلته الصحيفة عن منظمة “أنقذوا الأطفال”، فإن أكثر من 416 ألف طفل سوري أصبحوا معرضين الآن لخطر شديد من سوء التغذية الحاد عقب توقف مفاجئ للمساعدات.
وأضافت الصحيفة أن العديد من مشاريع منظمة “مهاد” إما أغلقت بالفعل أو في طريقها إلى الإغلاق، بما في ذلك مرافق الرعاية الصحية الأولية، وبرامج صحة الأم والطفل، وكذلك برامج توزيع الأغذية.
وفي بلدة كفر تخاريم، القريبة من الحدود التركية، كانت منظمة “مهاد” تقدم خدماتها قبل ثلاثة أشهر لنحو ثلث الأمهات والرضع، وفق ما نقله طاقم طبي محلي للصحيفة. أما الآن، وبعد توقف عمل عدد من المنظمات غير الحكومية، أصبحت “مهاد” تقدم الرعاية لمعظم سكان البلدة.
وحذّرت الصحيفة من تداعيات خطيرة في شمال غرب سوريا، حيث أفاد العاملون في القطاع الصحي بأن 172 منشأة طبية معرضة لخطر الإغلاق بسبب التخفيض المفاجئ في التمويل، ما قد يحرم أكثر من 4.2 مليون شخص من الخدمات الأساسية، بما يشمل رعاية الصدمات، وصحة الأم والطفل، وعلاج الأمراض المزمنة.
وفي شمال شرق البلاد، تشير الصحيفة إلى أن 23 منشأة صحية توقفت عن العمل، بينما 68 أخرى تواجه خطر الإغلاق الوشيك، بحسب نشرة صادرة عن مجموعة الصحة بقيادة منظمة الصحة العالمية.
وقالت “واشنطن بوست” إن الضغط بات كبيرًا على المرافق الطبية التي لا تزال تعمل، حيث أبلغ مستشفى الكسرة في غرب البلاد عن ارتفاع بنسبة 10% في عدد الحالات خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، في وقت اضطر فيه المستشفى إلى إغلاق جناح لعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية، نتيجة لفقدان التمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
ونقلت الصحيفة عن حسن العلي، منسق في جمعية الكسرة، قوله إن ثلاثة أطفال أصيبوا بمضاعفات نتيجة انقطاع العلاج عنهم، واضطر أهاليهم لإعادتهم إلى المستشفى في ظل غياب البدائل.
كما حذرت الصحيفة من أن مرضى الكلى باتوا يواجهون مصيرًا مجهولًا، حيث لم يتبقَ سوى ثلاث مراكز غسيل كلى عاملة في شمال شرق سوريا – جميعها تديرها منظمة “مهاد”.
وفي مستشفى أبو حمام، بحسب ما أوردته الصحيفة، أكد الفريق الطبي أنهم اضطروا إلى رفض استقبال بعض الحالات بسبب تعطل الأجهزة، وعدم القدرة على إصلاحها، في ظل انعدام التمويل. وقال الدكتور أحمد أسود، طبيب كلى في المستشفى، إن الوضع يزداد سوءًا مع ازدياد الأعطال، محذرًا من أن استمرار هذا التدهور قد يؤدي إلى وفيات حتمية بين المرضى الذين لا يملكون القدرة على السفر أو العلاج في مراكز خاصة.
واختتمت الصحيفة تقريرها بنقل تحذير الطبيب أسود الذي قال: “إذا تفاقم خفض المساعدات، فسنواجه مشكلة كبيرة… سيموت بعض المرضى”.