السلايدر الرئيسيصحف

صحيفة الغارديان: مؤسستان خيريتان بريطانيتان تتبرعان بملايين الجنيهات لدعم مستوطنة إسرائيلية غير قانونية في الضفة الغربية

لندن ـ يورابيا ـ كشفت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير موسع، أن مؤسستين خيريتين في المملكة المتحدة قامتا بتحويل نحو 5.7 مليون جنيه إسترليني إلى مستوطنة إسرائيلية غير قانونية في الضفة الغربية المحتلة، تحديدًا إلى مدرسة دينية في قرية سوسيا، وذلك بموافقة رسمية من لجنة المؤسسات الخيرية البريطانية، وهي الجهة الرقابية المختصة بتنظيم العمل الخيري في إنجلترا وويلز.

وقالت الصحيفة إن التبرعات جرت عبر مؤسسة Toremet UK لصالح مدرسة بني عكيفا يشيفا الثانوية، الواقعة في مستوطنة سوسيا، وهي إحدى المستوطنات التي تعتبرها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي غير شرعية ومخالفة للقانون الدولي.

وأضافت الصحيفة أن تلك التبرعات، التي تمت بين عامي 2017 و2021، ساهمت بشكل كبير في توسيع المدرسة وزيادة عدد طلابها وموظفيها، مما أدى إلى تعزيز البنية التحتية للمستوطنة نفسها، وبالتالي ترسيخ وجودها داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ونقلت الغارديان عن الباحث المختص في شؤون الاستيطان، درور إتكس، قوله إن “المدرسة تُعد اليوم أكبر مصدر للتوظيف في مستوطنة سوسيا، وتشكل عنصرًا أساسيًا لبقائها واستمرار توسعها”.

سوسيا: مستوطنة نشأت على أنقاض قرية فلسطينية

وأشارت الصحيفة إلى أن سوسيا أُنشئت عام 1983 بجوار قرية خربة سوسيا الفلسطينية جنوب مدينة الخليل، حيث تم في عام 1986 تهجير سكان القرية الفلسطينيين قسرًا بعد أن أعلنت سلطات الاحتلال منطقتهم موقعًا أثريًا، بحسب ما وثقته منظمة العفو الدولية.

وفي حادثة مرتبطة حديثًا بالمستوطنة، ذكرت الغارديان أن مستوطنين إسرائيليين هاجموا في مارس/آذار منزل حمدان بلال، أحد منتجي الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة الأوسكار “لا أرض أخرى”، في خربة سوسيا، ما يُسلّط الضوء على خطورة تصاعد العنف الاستيطاني في المنطقة.

تساؤلات قانونية وانتقادات سياسية حادة

وأضافت الغارديان أن التبرعات قوبلت بانتقادات واسعة من شخصيات سياسية بارزة، من بينهم البارونة سعيدة وارسي، وزيرة سابقة في الحكومة البريطانية، التي عبّرت عن “غضبها العميق” من سماح السلطات الخيرية في المملكة المتحدة بتمويل المستوطنات.

وقالت وارسي: “من المروع أن يشارك أي بريطاني في تمويل مستوطنات غير قانونية، والأدهى أن يتم ذلك بموافقة رسمية، وبأموال قد تكون معفاة من الضرائب، مما يجعل دافعي الضرائب جميعًا مشاركين دون علمهم”.

من جانبه، طالب آندي ماكدونالد، النائب عن حزب العمال، الحكومة البريطانية بـ”اتخاذ إجراءات فورية لحظر تمويل أي نشاط يرتبط بالاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، بما في ذلك التبرعات الخيرية التي تُستخدم لتعزيز مشاريع استيطانية”.

وأشار إلى ضرورة “إبطال الصفة الخيرية عن أي كيان يثبت تورطه في دعم الاستيطان، ومحاسبة المسؤولين عن تلك التبرعات قانونيًا، بل وفرض ملاحقات فردية إن لزم الأمر”.

الهيئة الرقابية ترد: القضية معقدة وتشوبها تباينات قانونية

قالت لجنة المؤسسات الخيرية في بيان رسمي إن القضية “محل خلاف كبير، وتدور حولها آراء متباينة بشدة”، مؤكدة أن عمل المؤسسة داخل الأراضي المحتلة لا يُعد بحد ذاته مخالفًا للقانون أو يرقى إلى مستوى الجريمة الجنائية.

وأضافت اللجنة أنها أحالت القضايا ذات الشبهة الجنائية إلى الجهات المختصة، وأنها “تسعى الآن للحصول على استشارة قانونية محدثة من النائب العام البريطاني حول تعقيدات القانون الدولي المتعلقة بالموضوع”.

وبحسب الغارديان، كانت اللجنة قد أبلغت في عام 2016 مؤسسة Toremet UK أن التبرع لمدرسة تعليمية في الأراضي المحتلة يُعتبر – من الناحية الفنية – “منحة تعليمية مشروعة”، الأمر الذي استندت إليه المؤسسة في استمرارية تمويلها للمشروع.

ردود من المؤسسات المعنية: التبرع تعليمي لا سياسي

وردًا على التقرير، قال متحدث باسم Toremet UK إن المؤسسة “لم تكن مدفوعة بأجندات سياسية أو أيديولوجية”، وإن جميع التبرعات جرت ضمن الإطار القانوني البريطاني، مشيرًا إلى أن الهدف منها كان دعم التعليم فقط.

أما ممثل مؤسسة Kasner Charity Trust (KCT)، فقد شكك في كون سوسيا “مستوطنة غير قانونية”، مشددًا على أن الأموال “خُصصت لمدرسة دينية، وليس لمشاريع توسعة استيطانية”، مضيفًا أن اللجنة الخيرية البريطانية “وافقت رسميًا على هذه التبرعات في وقت سابق”.

السوابق القانونية والجدل المستمر

وأوضحت الغارديان أن المخاوف من استخدام الأموال البريطانية لدعم الاستيطان ليست جديدة، لكن هذه المرة قد تكون الأولى التي تظهر فيها وثائق واضحة تُثبت ضخ تبرعات بملايين الجنيهات إلى مستوطنة إسرائيلية محددة.

وأضافت الصحيفة أن محامين من شركة Hickman & Rose قدموا شكوى إلى قيادة مكافحة الإرهاب البريطانية SO15، لكنها رفضت فتح تحقيق جنائي، فيما يعتزم المحامون الطعن بهذا القرار، مشيرين إلى احتمال وجود تواطؤ في انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي.

اختبار حقيقي لمصداقية التنظيم الخيري في بريطانيا

واختتمت الغارديان تقريرها بالتأكيد على أن هذه القضية تضع لجنة المؤسسات الخيرية البريطانية أمام اختبار صعب في كيفية تعاملها مع قضايا ذات طابع سياسي وإنساني عابر للحدود، خاصة حين تتداخل فيها مفاهيم العمل الخيري مع انتهاكات موثقة للقانون الدولي، كالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى