أقلام يورابيا

سوريا: العدالة الانتقالية.. بصيص أمل في زمن الدمار أم سراب؟

خالد المطلق

سوريا تلك الأرض التي مزقتها الحرب منذ سنوات ما زالت تبحث عن بصيص أمل وسط كل هذا الدمار من خلال العدالة الانتقالية وهذه العدالة ليست مجرد مصطلح قانوني معقد، بل هي ذلك الجسر الذي قد يعبر به السوريون من عالم الدماء إلى عالم السلام، تخيل أنك عشت كل هذه السنوات بين القصف والتهجير ثم يأتي يوم تريد فيه أن تعرف الحقيقة وأن تحصل على حقك لكن دون أن تتحول حياتك إلى سلسلة من الثأر والانتقام، فالمحاسبة تبدو كحلم بعيد للكثيرين هناك لكنها الطريق الوحيد لوقف دوامة العنف، المشكلة أن البعض يرى في العدالة مجرد أداة للانتقام بينما هي في الحقيقة محاولة لبناء ذاكرة جماعية تسمح للناس بالعيش معاً من جديد، فكم من عائلات فقدت أحباءها وتريد أن تعرف مصيرهم فقط دون أن تتحول حياتها إلى جحيم جديد، الوضع في سوريا معقد كخريطة مليئة بالألغام كل خطوة نحو العدالة قد تثير مخاوف جديدة، البعض يخشى أن تتحول العملية برمتها إلى مسرح للصراعات القديمة أو أداة في يد القوى الدولية، لكن ماذا لو نجحوا في صنع نموذج خاص بهم؟ نموذج لا ينسى الضحايا لكنه في نفس الوقت لا يحول المستقبل إلى سجن للماضي.
سوريا التي مزقتها السنوات الاربعة عشر الماضية بلا رحمة صارت كلمة “انتهاك” جزءاً من قاموس الحياة اليومية وكأنها ظِلُ يلاحق الناس في كل شارع وبيت، لم ينجُ أحد من براثن هذه الكارثة كل الأطراف تلطخت أيديهم لكن يبقى النظام البائد هو من يحمل العبء الأكبر والمسؤولية الكاملة كمن أشعل النار ثم تركها تلتهم الجميع، تخيل معي سجوناً تتحول إلى غرف تعذيب ومدناً تتحول إلى ركام وعائلات تُقتلع من جذورها وتُرمى في المنافي، كم من الأرواح ذهبت هباءً وكم من الأحلام تحولت إلى غبار، صارت فكرة العدالة كسراب في صحراء كلما اقتربت منها ابتعدت أكثر، الثقة تبخرت كما يتبخر الماء تحت شمس حارقة فكيف تثق بشيء بعد كل هذا الدمار؟ كيف تؤمن بدولة بعد أن رأيتها تتحول إلى آلة لسحق الإنسان؟ صار المواطن العادي ينظر إلى أي سلطة قادمة بعين الشك كمن يتعامل مع ذئب يرتدي ثياب الراعي، الغريب أن الناس ما زالوا يحلمون رغم كل شيء يحلمون بيوم يعود فيه الوطن سقفاً يحميهم لا سجناً يكمم أفواههم لكن الحلم صار أشبه بجبل بعيد كلما تسلقوا جزءاً منه انهار تحت أقدامهم ومع ذلك يستمرون في المحاولة لأن الأمل هو آخر ما يموت في النفوس الجريحة.

فتوى مجلس الإفتاء السوري: جدل حول التسامح أم تبرير للجرائم؟

في سياق محاولات إيجاد مخرج للأزمة أصدر مجلس الإفتاء السوري فتوى تحرم الانتقام وتدعو إلى التسامح والمصالحة، ظاهريًا قد تبدو هذه الدعوة خطوة نحو السلام والوئام ومع ذلك أثارت الفتوى جدلاً واسعًا ونقاشات حادة خاصةً مع تضمينها دعوة إلى الاحتكام للمؤسسات الرسمية في الدولة السورية الجديدة التي فاجأت الجميع بإطلاق سراح عتاة الإجرام في النظام البائد من ضباط وصف ضباط وأفراد وشبيحة القوات الرديفة لجيش الأسد المهزوم الذين ارتكبوا أفظع الجرائم بحق الشعب السوري ولم تكتفي هذه المؤسسات بذلك بل قامت بحماية الكثير من كبار الشبيحة والضباط والمسؤولين الذين تم تسليمهم للدولة من قبل الشعب السوري ولم يتم محاسبة أحد من هؤلاء على الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب السوري حتى الآن على الرغم من مرور أكثر من ستة أشهر على سقوط الأسد، إن تحريم الانتقام والتأكيد على ضرورة نبذ ثقافة الثأر والانتقام والتركيز على قيم التسامح والعفو كركيزة أساسية للمصالحة المجتمعية لا يعني إطلاق سراح المجرمين وهذه النقطة بالتحديد هي التي أثارت عاصفة من الاعتراضات والانتقادات، فبينما اعتبرها البعض خطوة براغماتية قد تفتح الباب أمام تسويات سياسية وتخفف من حدة التوتر، رأى فيها آخرون تبريرًا صريحًا للجرائم ومحاولة لإفلات الجناة من العقاب وهو ما يهدد بفتح جروح جديدة بدلًا من تضميد القديمة ومن هنا يخشى الكثير من الضحايا وعائلاتهم أن يؤدي إطلاق سراح من تلطخت أيديهم بالدماء إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب مما يقوض أي محاولة حقيقية لإعادة بناء الثقة في مؤسسات العدالة، فكيف يمكن للمجتمع أن يتعافى بينما يرى الجناة طلقاء؟

التحديات الجسيمة أمام العدالة الانتقالية

إن تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا يواجه عقبات هائلة ومعقدة تجعل مسارها محفوفًا بالمخاطر بسبب:
1- غياب الثقة المؤسسية:
فقدت المؤسسات الحكومية الجديدة مصداقيتها بشكل كبير بوجود الكثير من مؤيدي نظام الأسد البائد ضمن كوادرها وفي ظل عقود من القمع والانتهاكات، هذا الغياب للثقة يجعل من الصعب للغاية تنفيذ أي آلية للعدالة سواء كانت محاكمات لجان حقيقة أو برامج جبر الضرر حيث يرى الضحايا والمجتمع أن هذه المؤسسات قد لا تحقق العدالة للضحايا وأسرهم وجمهور الثورة أو غير قادرة على تحقيق العدالة بشكل مستقل ونزيه.
2- الانقسامات السياسية العميقة:
لا تزال الساحة السورية تعج بالانقسامات السياسية الحادة بين الفصائل المتعددة مما يعقد أي جهود للمصالحة، فكل فصيل يحمل رؤيته الخاصة للعدالة وغالبًا ما تكون هذه الرؤى متناقضة مما يعرقل التوافق على خارطة طريق موحدة للعدالة الانتقالية.
3- ردود الفعل الشعبية والقلق من تهميش الضحايا:
هناك قلق واسع النطاق بين الضحايا وعائلاتهم حول إمكانية تحقيق العدالة الحقيقية، بالنسبة لهم العدالة لا تعني فقط السجن أو المحاسبة بل تشمل أيضًا الاعتراف بمعاناتهم وكشف الحقيقة كاملة وجبر الضرر الذي لحق بهم، أي محاولة لفرض “مصالحة” دون تحقيق هذه المتطلبات الأساسية قد تؤدي إلى تفاقم الاستياء وتأجيج الصراعات المستقبلية، على سبيل المثال قد يؤدي إطلاق سراح مجرمين بارزين إلى ردود فعل عنيفة من قبل عائلات الضحايا مما يهدد الاستقرار الهش على مستوى المجتمع السوري.
تظل العدالة الانتقالية في سوريا قضية معقدة وشائكة تتطلب توازنًا دقيقًا بين المحاسبة والمساءلة من جهة وتحقيق المصالحة الوطنية وإعادة بناء النسيج المجتمعي من جهة أخرى، إن الفشل في تحقيق العدالة بشكل عادل وشفاف أو تهميش مطالب الضحايا بالحق في معرفة الحقيقة وجبر الضرر قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، فبينما يرى البعض في التسامح طريقًا للمضي قدمًا يرى آخرون أن هذا التسامح يجب ألا يأتي على حساب العدالة وإلا تحول إلى إفلات من العقاب مما يغذي دائرة العنف والانتقام، إن بناء مستقبل أفضل للشعب السوري يتطلب رؤية واضحة وشجاعة للتعامل مع الماضي، هذه الرؤية يجب أن ترتكز على مبادئ العدالة الشاملة التي تشمل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وجبر الضرر للضحايا وإصلاح المؤسسات، على النقيض من ذلك فإن تجاهل هذه المبادئ أو محاولة فرض حلول سطحية ستؤدي حتمًا إلى استمرار حالة عدم الاستقرار وستبقي جذور الصراع قائمة مما يهدد بتحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة لتجدد العنف في أي لحظة.
في الختام السؤال المطروح بشدة هل يمكن لسوريا أن تتجاوز مأزقها الحالي دون معالجة قضايا العدالة بشكل حقيقي وشامل؟، إن الإجابة على هذا السؤال ستحسم مصير الأجيال القادمة في هذا البلد المبتلى بالصراعات المكلوم بأبنائه النازف شلالات دماء طاهرة دفعها شعب يستحق الحرية والكرامة وأول خطوة من تحقيق هذا الهدف تحقيق العدل بين أبنائه.

‫2 تعليقات

  1. السوريون بحاجة إلى عدالة انتقالية .
    وليس إلى عدالة انتقائية أو انتقامية .

    ويبقى السلم والأمن الأهليين الحلم الذي ينشده كل سوري بعد سنوات من الألم والمعاناة .

  2. السوريون بحاجة إلى عدالة انتقالية .
    وليس إلى عدالة انتقائية أو انتقامية .

    ويبقى السلم والأمن الأهليين الحلم الذي ينشره كل سوري بعد سنوات من الألم والمعاناة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى