دروز سوريا… عزلة في زمن التحولات.. بين تخلي الحلفاء وتصاعد العنف الطائفي

يورابيا ـ لندن ـ في وقت تشهد فيه سوريا انفتاحاً دولياً تدريجياً مع بدء الولايات المتحدة خطوات أولية لرفع العقوبات وتطبيع العلاقات مع دمشق، يجد أبناء الطائفة الدرزية أنفسهم على الهامش، يتجرعون مرارة العزلة والخوف، وسط تصاعد غير مسبوق في الخطاب المعادي لهم، وغياب الحماية من الدولة أو المجتمع الدولي، وفق ما يكشفه تقرير ميداني نُشر في مدونة “ديوان” الصادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط.
الصحفي رابح غضبان نقل، في مقال موسّع، مشاهدات من قلب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية، حيث يعيش السكان في حالة استنفار دائم، بعد سلسلة من الهجمات الطائفية والانتهاكات التي قالوا إنها تُنفّذ بدوافع ممنهجة.
“نحن وحدنا”
في سهول السويداء، حيث يتكئ شيخ طاعن في السن على بندقيته ويحيط به مقاتلون من حركة “رجال الكرامة”، الميليشيا الأبرز بين دروز سوريا، تتردد كلمات تنمّ عن شعور عميق بالخذلان: “نحن وحدنا”، كما قال الشيخ يحيى الحجار، قائد الحركة، في إحدى لقاءاته مع الأهالي.
في الأسابيع الماضية، شهدت المحافظة توتراً متفاقماً على خلفية تسجيل صوتي مُفبرك نُسب إلى أحد الدروز ويحتوي إساءة للنبي محمد، ما أشعل موجة عنف طائفية أدت إلى مقتل أكثر من 100 درزي، واندلاع اشتباكات في السويداء وريف دمشق. بينما تبرأت الحكومة من المسؤولية، انتشرت مقاطع فيديو تظهر ممارسات مهينة بحق الدروز، بينها حلق شوارب شبان بالقوة، وصفع شيوخ مسنين، في مشاهد تُعيد إلى الأذهان أساليب الإذلال المعهودة في عهد النظام السابق.
صرخة الهجري.. حماية دولية أو احتلال
في مواجهة هذه الأحداث، أطلق الشيخ حكمت الهجري، المرجع الروحي الأعلى للطائفة، نداءً عاجلاً طالب فيه بحماية دولية، واصفاً ما يتعرض له الدروز بـ”جرائم إبادة”. وقد اعتبر في تصريحاته أن دخول قوات النظام إلى المناطق الدرزية من دون ضمانات سيكون بمنزلة “احتلال”، محذراً من أن سوريا الجديدة لن تكون عادلة إنْ قامت على لون واحد دون الآخر.
رغم المشاركة الفاعلة التي لعبتها الطائفة في الحراك الشعبي المناهض للأسد، وخصوصاً في مظاهرات السويداء التي اندلعت عام 2023 احتجاجاً على الغلاء وتطوّرت إلى مطالب إسقاط النظام، فإن أي تمثيل فعلي للدروز في العملية الانتقالية بقي معدوماً. استُبعد الهجري من مشاورات الإعلان الدستوري، وتُرك القادة المحليون دون غطاء سياسي.
ذاكرة مثقلة بالمجازر
لا ينفصل ما يحدث اليوم عن تاريخ ممتد من الاستهداف. في 2015، ارتكبت جبهة النصرة مجزرة بحق 20 درزياً في إدلب، وأُجبر آخرون على اعتناق المذهب السنّي. وفي 2018، شنّ تنظيم “داعش” سلسلة تفجيرات في السويداء أودت بحياة أكثر من 250 مدنياً، واختُطف العشرات. تلك الذاكرة، كما يقول سكان المنطقة، ليست مجرد أحداث متفرقة، بل حلقات في سلسلة مستمرة من العنف القائم على الهوية.
وفي تطور خطير، امتد التحريض إلى مناطق أخرى، إذ دوّى في حماة هتاف “الدرزي عدو الله”، بينما اضطر طلاب دروز في حمص إلى الفرار بعد دعوات إلى قتلهم.
إسرائيل تملأ الفراغ.. لا مجاناً
وسط غياب الحماية الرسمية، بدأت إسرائيل بالتحرك، مظهرةً نفسها كحامية محتملة للدروز السوريين، عبر تسهيل زيارات دينية، وتوفير مساعدات لوجستية وأمنية، بل ونقل مشايخ عبر مناطق تسيطر عليها في الجولان. لكنها في الوقت ذاته منعت دروزاً إسرائيليين من عبور الحدود للقتال إلى جانب إخوتهم في السويداء، ما أثار موجة احتجاجات في الشمال.
وفي إسرائيل، رغم ما يظهر من مظاهر الدعم الرمزي للدروز، تبقى الطائفة أقلية مهمشة قانونياً واجتماعياً، بحسب التقرير، ولا سيما بعد قانون “الدولة القومية اليهودية” الذي صنّفهم مواطنين من الدرجة الثانية، وفرض عليهم الخدمة العسكرية الإلزامية دون منحهم الحقوق الكاملة التي يتمتع بها المواطنون اليهود.
“الأمر لا يتعلق بالحماية بل بالتوسع”
في أحاديث موثّقة مع سكان حضر والقرى المجاورة، تتكرر القناعة بأن إسرائيل تسعى لتوسيع نفوذها على حساب الأراضي السورية، مستغلة حالة الفوضى، وليس بدافع إنساني. “أين كانوا عندما ذبحنا داعش في 2018؟”، تسأل إحدى نساء السويداء، في إشارة إلى انتقائية الدعم.
تجاهل غربي لمأساة الأقليات
بالتزامن مع هذه التطورات، انتقد التقرير موقف المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة، التي أعلنت مؤخراً عن ترخيص عام يخفف من العقوبات على سوريا، في وقت لم تُبدِ فيه الحكومة السورية بوادر حقيقية لحماية الأقليات أو ضمان شراكة سياسية عادلة.
زيارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى السعودية ولقاؤه أحمد الشرع، قائد هيئة تحرير الشام ورئيس الحكومة السورية الانتقالية، أثارت غضباً واسعاً، إذ اعتبرها البعض شرعنةً لقادة غير منتخبين، تورطوا في انتهاكات سابقة، بل وفي إقصاء مكونات مجتمعية كاملة.
ليس تمرداً.. بل بقاء
خلافاً لما يُروَّج عن تحالف مزعوم بين الدروز وإسرائيل، يقول الشيخ الهجري ومقاتلو “رجال الكرامة” إن ما يقومون به ليس تمرّداً، بل صراع وجودي. “نحن نحمي أرضنا وكرامتنا وأهلنا”، قال الهجري، مضيفاً أن تسليم السلاح في ظل المعطيات الحالية سيجعل من مناطقهم لقمة سائغة للقمع أو للتطرف، أو لكليهما معاً.
أقلية في عين العاصفة
في ظل خارطة سياسية متقلبة، وجغرافيا يتنازعها النظام والمعارضة والمتطرفون، إضافة إلى التدخلات الإقليمية، يجد دروز سوريا أنفسهم عالقين في المنطقة الرمادية. لا يُحتفى بهم كشركاء، ولا يُحمَون كمواطنين، بل يُعاملون كأوراق تفاوض أو أدوات ضغط.
لكنهم، كما يظهر من روايات قادتهم وأهاليهم، اختاروا التمسك بهويتهم والدفاع عن مجتمعهم، في لحظةٍ تُعيد طرح أسئلة جوهرية حول العدالة، والانتماء، ومستقبل التعددية في سوريا ما بعد الحرب.