السلايدر الرئيسيتحقيقات

“حسم” تعود من الظلال.. بين اختفاء غامض وظهور مثير للجدل… هل تهدد الجماعة المشهد المصري مجددًا؟

من سعيد هنداوي

القاهرة ـ يورابيا ـ من سعيد هنداوي ـ بعد سنوات من الغياب والاختفاء شبه الكامل، عادت حركة “حسم” إلى الواجهة مجددًا، في ظهور مصوَّر أثار جدلًا واسعًا في الأوساط المصرية والعربية. هذا الفيديو الذي يحمل عنوان “سبيل المؤمنين: هذا هو الطريق” أعاد فتح ملف هذه الجماعة المسلحة المصنفة إرهابية، والتي ارتبطت منذ بدايتها باسم جماعة الإخوان المسلمين وأحداث العنف التي شهدتها مصر عقب عام 2013.

في الفيديو الذي لا تتجاوز مدته أربع دقائق، تظهر مجموعة من العناصر الملثمة وهم يجرون تدريبات عسكرية بأسلحة خفيفة في مناطق صحراوية وجبلية، بعضها بدا مألوفًا لمن يعرف طبيعة الصحراء الغربية في مصر، بينما رجّح خبراء أن تكون بعض المشاهد قد صُوّرت في شمال سوريا أو حتى ليبيا. هذه المشاهد أثارت موجة من القلق والأسئلة، إذ تأتي في توقيت إقليمي حساس، حيث تتصاعد التوترات في غزة ولبنان، وتشهد حدود مصر الغربية اضطرابات في السودان، فيما لا تزال ليبيا تعاني من هشاشة أمنية مستمرة.

ورغم أن الفيديو لم يتضمن توقيتًا واضحًا أو إشارة مباشرة إلى الداخل المصري، إلا أن رسالته السياسية لم تكن غامضة، بل جاءت بنبرة تصعيدية توحي بعودة “المعركة” التي سبق أن أعلنتها الجماعة قبل سنوات ضد ما وصفته بـ”السلطة القمعية”. بالنسبة للعديد من المراقبين، فإن عودة حسم إلى الساحة الإعلامية بهذا الشكل لا تشير بالضرورة إلى قدرة ميدانية حقيقية على تنفيذ عمليات داخل مصر، بل قد تعكس محاولة لإحياء الاسم والتأثير عبر أدوات الحرب النفسية والدعاية السياسية، في ظل أوضاع محلية وإقليمية معقدة.

الحركة التي تأسست عام 2016، وقدّمت نفسها في البداية على أنها فصيل مقاوم يستهدف الأجهزة الأمنية، سرعان ما تبنت عددًا من العمليات الإرهابية البارزة، من بينها محاولة اغتيال مفتي الجمهورية السابق الدكتور علي جمعة، واستهداف موكب النائب العام المساعد، إضافة إلى تفجيرات في محافظات الفيوم والقاهرة. ومع تصعيد المواجهة الأمنية، اختفى نشاط الحركة تدريجيًا، خاصة بعد الضربات الاستباقية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية في أكثر من محافظة. في عام 2020، أُعلن عن القضاء على عدد من كوادرها، وتفكيك خلاياها، لتغيب تمامًا عن المشهد لسنوات.

الولايات المتحدة صنّفت “حسم” كمنظمة إرهابية في 2021، وكذلك فعلت بريطانيا في 2020، مما قطع أي غطاء دولي أو قانوني عنها. لكن ظهورها الجديد، وإن كان في تسجيل فقط، يفتح الباب من جديد أمام المخاوف المتعلقة بوجود خلايا نائمة، أو روابط خارجية قد تسعى لإعادة تفعيل أنشطتها في لحظة سياسية مواتية. بعض التحليلات الأمنية ترى أن الفيديو مجرد بروفة إعلامية، وأن ما ظهر فيه من أسلحة وتكتيكات لا يعكس تطورًا ميدانيًا حقيقيًا، بل محاولة دعائية لبث الرعب وتشتيت الانتباه.

الإعلام المصري تفاعل سريعًا مع الفيديو، إذ وصفه الإعلامي نشأت الديهي بأنه رسالة موجهة من أطراف خارجية تسعى لاستثمار التوترات الإقليمية لإرباك الداخل المصري. أما الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ماهر فرغلي، فاعتبر أن الرسالة لا تعني بالضرورة العودة إلى العمليات المسلحة، بل قد تكون محاولة للضغط من أجل الإفراج عن معتقلين أو تحسين شروط تفاوضية في ملفات غير معلنة.

وفي هذا السياق، قالت مصادر أمنية إن الأجهزة المختصة بدأت في تحليل الفيديو وملاحقة مصدره، سواء من خلال تحديد المكان الجغرافي للتصوير، أو تتبع التقنيات المستخدمة فيه. وتؤكد هذه المصادر أن الدولة تتعامل مع هذا النوع من الرسائل بجدية كاملة، نظرًا لما يمثله من تهديد محتمل، حتى وإن لم يكن مباشرًا.

عودة “حسم” بهذا الشكل تثير أكثر من سؤال، ليس فقط حول قدراتها الحالية، بل حول من يقف وراء إعادة ترويجها، ولماذا في هذا التوقيت بالذات. فهل نحن أمام استعراض دعائي ضمن حرب نفسية تخوضها أطراف إقليمية؟ أم أن خلف هذا الفيديو مؤشرات فعلية على محاولة إحياء التنظيم؟ في الحالتين، يبقى الأمن القومي المصري أمام تحدٍّ يتجاوز البعد الأمني إلى الفضاء الإعلامي والنفسي، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة التي تمر بها المنطقة بأسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى