السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

تركيا تعزز نفوذها في ليبيا وسط توازنات إقليمية معقدة وتحديات استراتيجية

من سعيد السويحلي

طرابلس يورابيا ـ من سعيد السويحلي ـ قال المعهد الإيطالي للشؤون الدولية في ورقة موقف صدرت مؤخرًا، إن تركيا تعمل بشكل ممنهج لتوسيع حضورها الجيوسياسي في ليبيا، في إطار استراتيجية أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي. وأضاف أن ليبيا تُعد اليوم إحدى أبرز ساحات التنافس التركي، التي تسعى من خلالها أنقرة لتكريس دورها كفاعل محوري في منطقة جنوب المتوسط وشمال إفريقيا، مستغلة تراجع أدوار قوى دولية وإقليمية تقليدية.

ووفقًا للمعهد، فإن الطموحات التركية في ليبيا تأتي مدفوعة بمزيج من الاعتبارات التاريخية والاستراتيجية والأمنية والاقتصادية، بدءًا من حقبة ما بعد “الربيع العربي”، مرورًا بالحرب الأهلية الليبية، وانتهاءً بالتحولات الجيوسياسية التي طرأت بعد الحرب في أوكرانيا.

من الروابط الأيديولوجية إلى الحضور العسكري المباشر

توضح الورقة أن الانخراط التركي في ليبيا يعود إلى عام 2011، حين شاركت أنقرة ضمن قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تدخلت عسكريًا لإسقاط نظام معمر القذافي. إلا أن الوجود التركي لم يظل محصورًا ضمن هذا الإطار، بل توسّع تدريجيًا من خلال بناء شبكات سياسية واجتماعية، لا سيما مع جماعة الإخوان المسلمين الليبية، وبالتنسيق مع قطر.

ما بين 2011 و2014، أسّس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بنية أيديولوجية عابرة للحدود مع فرع الإخوان في ليبيا، مكرّسًا النفوذ عبر دعم مكونات الثورة في طرابلس.

بحلول عام 2014، ومع دخول ليبيا مرحلة الحرب الأهلية الثانية، انقسمت البلاد إلى حكومتين متنافستين: واحدة في طرابلس (غربًا) مدعومة من تركيا وقطر، وأخرى في طبرق (شرقًا) مدعومة من مصر والإمارات وروسيا. وقد مثّل هذا الانقسام لحظة محورية في تبلور الاستراتيجية التركية في ليبيا.

بحسب المعهد، فإن التحول الاستراتيجي الحاسم جرى في عام 2019، بعد شنّ قوات المشير خليفة حفتر هجومًا كبيرًا على العاصمة طرابلس. في ذلك التوقيت، ووسط انكفاء أمريكي ملحوظ، قررت أنقرة تقديم دعم عسكري مباشر لحكومة الوفاق الوطني، ووقعت معها مذكرة تفاهم شاملة للتعاون الأمني والعسكري.

ومن أبرز مظاهر هذا التدخل المباشر: نشر طائرات بيرقدار المسيّرة، إرسال مستشارين عسكريين، وتجنيد مقاتلين سوريين للقتال إلى جانب قوات الوفاق. وقد نجحت هذه الإجراءات في قلب موازين الصراع على الأرض، وأوقفت تقدم قوات حفتر.

إعادة رسم خريطة شرق المتوسط

أكد المعهد أن الجانب البحري في العلاقة بين أنقرة وطرابلس شكّل بُعدًا استراتيجيًا إضافيًا، إذ وقّع الطرفان في نوفمبر 2019 اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية، ما أدى إلى توسيع المطالب التركية في شرق المتوسط من 41 ألف كيلومتر مربع إلى نحو 148 ألف كيلومتر مربع.

واعتبرت الدول المعنية بشرق المتوسط – ولا سيما اليونان، قبرص، ومصر – أن الاتفاق يمثل انتهاكًا للقانون الدولي وخطوة أحادية لتكريس الهيمنة التركية على موارد الطاقة البحرية. وقد تصاعدت التوترات على إثره، ما دفع القاهرة لاحقًا لتوقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع أثينا، في أغسطس 2020، كرد مباشر على التحرك التركي.

التحول نحو الدبلوماسية الواقعية

رغم طابع المواجهة الذي ميّز العلاقة بين تركيا والدول الداعمة لحفتر، وخاصة مصر وروسيا، فقد لاحظ المعهد أن أنقرة بدأت تتبنى نهجًا أكثر براغماتية منذ عام 2022، ووسعت اتصالاتها لتشمل الأطراف الليبية الشرقية، بما في ذلك شخصيات من عائلة حفتر.

ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول: الاستثمارات التركية في شرق ليبيا، مثل مشروع “توسيالي” للصلب في بنغازي، وزيارة الملحق العسكري التركي إلى شرق البلاد للقاء مسؤولين من القيادة العامة للجيش الوطني الليبي.

ويشير التقرير إلى أن هذه السياسة تعكس رغبة تركية في “إدارة التناقضات” داخل ليبيا بدلًا من مواجهتها، مع الاستعداد للتنسيق مع جميع الأطراف بهدف الحفاظ على النفوذ على المدى الطويل.

التقارب المصري ـ التركي: فرصة أم تحدٍّ؟

بعد سنوات من التوتر، جاء اجتماع سبتمبر 2024 بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليشكل نقطة تحول بارزة في العلاقات الثنائية. وأُعلن خلاله إنشاء “مجلس تعاون استراتيجي” لتنسيق المواقف حول قضايا إقليمية، في مقدمتها الملف الليبي.

لكن ورغم هذا الانفراج، يرى المعهد أن الملف الليبي لا يزال يمثل “منطقة اختبار” هشة لهذا التقارب. فسرعان ما وقعت أنقرة مذكرة تفاهم جديدة مع حكومة الدبيبة في أغسطس 2024، تمنح القوات التركية صلاحيات موسّعة تشمل استخدام الأراضي والمجال الجوي الليبي. وقد أثار ذلك تحفظات مصرية دفعت القاهرة لدعوة رئيس حكومة بنغازي، أسامة حمد، في خطوة فسّرتها طرابلس على أنها استفزاز، لتردّ بطرد دبلوماسيين مصريين.

الوضع الميداني: الككلي والفراغ الأمني

سلّط المعهد الضوء على تطور بارز في مايو 2025، تمثّل في مقتل عبد الغني الككلي (غنيوة)، قائد هيئة دعم الاستقرار المقرّبة من حكومة الوحدة الوطنية. وأدى ذلك إلى اندلاع اشتباكات بين الميليشيات، وأعاد حالة الفوضى إلى طرابلس.

إلا أن الورقة ترى أن غياب غنيوة قد يصب في مصلحة تركيا، عبر تقليص عدد الفاعلين المحليين غير المنضبطين، وتعزيز قوى أكثر قربًا لأنقرة، مثل اللواء 444 الذي تربطه علاقات وثيقة بالجيش التركي.

استنتاجات وتوقعات: تركيا بين المكاسب والتحديات

ختم المعهد الإيطالي ورقته بالتأكيد على أن ليبيا لا تزال تمثل حجر زاوية في المشروع التركي للنفوذ الإقليمي. فهي تتيح لأنقرة موطئ قدم في قلب المتوسط، ومنصة لمراقبة تدفقات الطاقة والهجرة، وكذلك فرصة للتأثير في توازنات الساحل الإفريقي.

غير أن المعهد حذر من أن المشهد الليبي لا يخلو من المخاطر. فروسيا، رغم انشغالها في أوكرانيا، لا تزال فاعلة عسكريًا في الشرق الليبي. ومصر، رغم التقارب المعلن، تراقب بحذر تحركات أنقرة، ولا ترغب في فقدان نفوذها التقليدي في جارتها الغربية.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يرى المعهد أن تركيا قد تستثمر في حالة “الفوضى المُدارة” لإطالة أمد نفوذها، بينما توظف الأطراف الأخرى – ولا سيما موسكو – الورقة الليبية للضغط على أوروبا في ملفات مثل الهجرة والطاقة.

ويخلص التقرير إلى أن أي تدهور إضافي في الوضع الليبي قد يؤدي إلى مواجهة إقليمية واسعة، مختلفة من حيث الأطراف والأساليب عن تلك التي عرفها العالم في العقد الماضي، ولكنها لا تقل خطورة عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى