أقلام يورابيا

الشرق الأوسط المتغير: إعادة تشكيل الخريطة

عبد العزيز الخميس

على الرغم من أن إخفاقات العنف الأخيرة في غزة كانت مروعة، فقد تكون قد أدت إلى تحول استراتيجي في الواجهة البحرية: على مدى العشرين عامًا الماضية، كانت الدبلوماسية الإقليمية تتمحور حول نموذج صنع السلام الإسرائيلي-الفلسطيني أو الإسرائيلي-العربي، حيث كانت إسرائيل في المركز، ولعب الفلسطينيون والأردنيون أدوارًا ثانوية. حاليًا، بعيدًا عن الأنظار ومع تنفس الصعداء، تضع واشنطن وتل أبيب وعدد قليل من العواصم العربية خارطة طريق قابلة للتطبيق تركز على ثلاثة عناصر:

1. إعادة ترتيب هيكل السلطة في غزة ومراجعة دور حماس في القضية الفلسطينية

الخطة تتضمن تخلي حماس عن السيطرة العسكرية في غزة، مقابل دمجها التدريجي في منظمة التحرير الفلسطينية. يتطلب ذلك صفقة تبادل الأسرى، بما في ذلك الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس، وفهم حول حكومة مؤقتة تكنوقراطية، تحت إشراف دولي وعربي. وفقًا للحديث الدائر في واشنطن، فإن “إشراك حماس تدريجيًا تحت مظلة سياسية فلسطينية” هو “المرحلة الأولى في خطتها للتخلص من الانقسام الذي يسبب الفوضى.“، وعلى الرغم من التحفظ الاسرائيلي إلا أن الضغوط العربية تجد آذانا صاغية في واشنطن حول أن الحل الدائم يجب أن يمتلك معدة قوية تهضم حماس داخل السلطة الفلسطينية وبالتالي يمكن ارضاء أطراف اقليمية كتركيا وقطر ومصر.

2. خطة خمسية للدولتين ـ جديَّة جديدة أم إعادة تدوير؟
تعمل مكاتب وزارة الخارجية الأمريكية وأطراف أوروبية عدة على خطة لإطلاق مسار الدولتين عبر خطة خمسية مرحلية، يتم مراقبة التقدم وفقًا لمعايير محددة (الأمن، السيادة، التنمية). مرة أخرى، تتم مناقشة “خطوات مرحلية قابلة للقياس,” وهي خطة دافع عنها طويلًا المبعوث الأمريكي ستيف ووتكوف, الذي يجادل في أروقة البيت الأبيض بأن “النجاح يتطلب ضمانات دولية لا يمكن لأي طرف التراجع عنها وأن أي اتفاق سعودي اسرائيلي لن يمر دون مسار واضح لحل الدولتين.”

3. مبادلة التطبيع السعودي بالتقدم الفلسطيني
تشكل هنا الصدمة الكبرى التي تلقاها نتنياهو وسط أفراحه بالتطبيع مع عدد من الدول العربية وتوقعه أن تنضم السعودية لاتفاقات ابراهيم لكن السعودية، التي ترسل دوما رسائل يتم نقلها إلى تل أبيب عبر واشنطن على مدى الأعوام الماضية، الآن تصر أكثر من أي وقت سابق على أن أي تقدم حقيقي مشروط بالمسألة الفلسطينية. المسؤولون في الرياض مصممون على جعل أي صفقة تطبيع مشروطة بضمانات لحل الدولتين, وهي تجميد نشاطات الاستيطان والاعتراف بالطريق النهائي.

حان الوقت لتغيير الرؤية الأمريكية

تؤكد إدارة ترامب أن الشرق الأوسط يحتاج إلى اتفاق شامل لحصوله على الاستقرار الأساسي، يضع حداً لحالة “لا حرب، لا سلام” الدائمة. ومن ثم تحاول واشنطن إرضاء الشركاء الثلاثة: إسرائيل من خلال بوادر حسن النية، السلطة الفلسطينية من خلال الوحدة، والسعودية لتكون الضامن. لكن التحديات تظل هائلة. هل يمكن لحكومة نتنياهو المحمّلة باليمين المتطرف أن توقع على خارطة طريق لدولة فلسطينية؟ وهل تمتلك القيادة الفلسطينية الشرعية الكافية لإعادة تكوين عملية موحدة؟ وقبل كل ذلك هل يملك ترامب القوة لفرض رؤيته، يبدو أنه متحمس لذلك ومنتشي بعد ما فعله مع إيران.

ليست خارطة الطريق مضمونة لتحقيق السلام، لكنها قد تكون أهم إعادة هيكلة في الشرق الأوسط منذ اتفاقيات أوسلو، إذا تم تنفيذها. ليس من قبيل المصادفة أن تكون غزة مرتبطة بالرياض، أو أن تبادل الأسرى يأتي من بوابة التطبيع. نحن نواجه نقطة يلتقي فيها التكتيكي مع الاستراتيجي والمحلي مع الإقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى